كيف يمكن إقناع إنسان بالبقاء في وطنه إذا أصبح الطريق إلى المدرسة مصدر خوف، والذهاب إلى الكنيسة مجازفة، والتنقل بين القرى احتمالاً للخطف، والحديث عن معتقده سبباً للإهانة أو الاتهام؟
يحضر هذا السؤال كلما طُرحت قضية هجرة المسيحيين من سوريا، التي كثيراً ما تُفسَّر بالحرب أو الفقر أو البحث عن حياة أفضل. وهي أسباب حقيقية يعاني منها السوريون على اختلاف انتماءاتهم، لكنها لا تفسر وحدها قلق جماعات مسيحية عاشت في هذه الأرض قروناً، ثم وجدت نفسها أمام أشكال من العنف والتشدد الديني تهدد حريتها وشعورها بالانتماء.
فالمسيحي الذي يغادر منزله خوفاً من قذيفة يشاركه الألمَ جارهُ الذي يهرب من القصف نفسه. لكن حين تُضاف إلى مأساة الحرب مخاوف تتعلق بالمعتقد والهوية والحق في ممارسة الحياة اليومية، يصبح الرحيل محمّلاً بأسئلة أخرى عن المكانة والمستقبل والقدرة على العيش من دون خوف.
ولا تبدأ هذه المخاوف دائماً باعتداء مباشر. فقد تنشأ من كلمة مهينة، أو اتهام بالكفر، أو افتراض أن المسيحي أقل التزاماً بالأخلاق بسبب دينه، أو استنكار لباس امرأة لأنها لا ترتدي الحجاب. وحين تتكرر مثل هذه الممارسات في بيئات يتنامى فيها تأثير التشدد، قد يشعر الإنسان بأنه مطالب بالدفاع عن حقه في الاختلاف، وكأن احترام معتقده وحريته الشخصية امتياز تمنحه الجماعة المحيطة به.
ولا تنفي هذه التجارب ما عرفته سوريا من علاقات جوار وتضامن عميقة بين أبنائها من مختلف الأديان، ولا ما قدمه كثير من المسلمين السوريين لجيرانهم المسيحيين خلال سنوات الحرب. غير أن استحضار نماذج التعايش لا ينبغي أن يحجب الانتهاكات أو يقلل من أثرها في حياة من تعرضوا لها.
حين أصبحت المدارس والكنائس والأحياء ساحات للخوف!
في دمشق، لم تكن أحياء باب توما والقصاع وباب شرقي والدويلعة، وغيرها من المناطق ذات الحضور المسيحي، مجرد أسماء تتردد في الأخبار؛ فقد كانت فضاءات للحياة اليومية، يذهب فيها الأطفال إلى مدارسهم، وتفتح المحال أبوابها، وتستقبل الكنائس المصلين، وتتبادل العائلات الزيارات في المساء.
ثم جاءت سنوات أصبحت فيها القذائف جزءاً من يوميات هذه المناطق، وصار خروج الأطفال إلى مدارسهم مصحوباً بخوف لا ينبغي لأي أسرة أن تعرفه.
في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2013، أصابت قذائف هاون حافلة مدرسية أمام مدرسة الرسالة في باب شرقي بدمشق، فراح ضحيتها أربعة أطفال وسائق الحافلة، وأُصيب أطفال آخرون. وفي اليوم نفسه، تعرضت مدرسة القديس يوحنا الدمشقي في حي القصاع للقصف، ما أسفر عن إصابة عدد من التلاميذ. وبعد أربعة أيام، في 15 تشرين الثاني، تعرضت مدرسة المنصور في باب توما لقصف بقذائف الهاون أيضاً.
وفي 15 نيسان/أبريل 2014، سقطت قذيفة على مدرسة المنار للتعليم الأساسي في باب توما، فأدت إلى مقتل طفل وإصابة عشرات، معظمهم من الأطفال. وفي اليوم نفسه، سقطت قذيفة أخرى قرب تجمع للمدارس بجوار كنيسة مار إلياس في الدويلعة، متسببةً في إصابات بين المدنيين.
خلف هذه التواريخ أطفال خرجوا صباحاً يحملون حقائبهم المدرسية، وكان ينبغي أن ينشغلوا بالدروس والامتحانات والأصدقاء، فإذا بطريق المدرسة يتحول إلى احتمال للموت. فأي شعور يمكن أن يرافق أمّاً تودّع طفلها كل صباح، وهي لا تعرف إن كانت ستراه عائداً عند الظهيرة؟
وتكررت القذائف على الأحياء السكنية في دمشق خلال سنوات الحرب، ولا سيما في فترات التصعيد التي شهدتها العاصمة. وأصبحت أسماء باب توما والقصاع والدويلعة وجرمانا وغيرها حاضرة في أخبار القتلى والجرحى، والأضرار التي لحقت بالمنازل والمدارس والمحال التجارية.
ولم تسلم المؤسسات الدينية من هذه الحرب. ففي 5 شباط/فبراير 2015، أصابت قذيفة دير الفرنسيسكان الملحق برعية اهتداء القديس بولس في باب توما، وألحقت أضراراً بسقف إحدى غرفه، فيما نجا مبنى الكنيسة نفسه من الضرر.
أما معلولا، بما تحمله من قيمة تاريخية وروحية ولغوية، فقد تعرضت عام 2013 لهجمات شاركت فيها الجماعات المتطرفة، وامتدت آثار القتال إلى العام التالي. وشهدت كنائسها وأديرتها أعمال نهب وتخريب وأضراراً طالت دير مار سركيس التاريخي. وفي كانون الأول/ديسمبر 2013، اختُطفت راهبات من دير مار تقلا، قبل إطلاق سراحهن في آذار/مارس 2014.
وفي 22 نيسان/أبريل 2013، اختُطف المطرانان بولس يازجي ويوحنا إبراهيم قرب حلب أثناء عودتهما من مهمة إنسانية، وقُتل سائق السيارة التي كانت تقلهما. وظل مصير المطرانين مجهولاً طوال السنوات التالية، في حادثة تركت أثراً عميقاً في نفوس المسيحيين السوريين، وأظهرت أن المكانة الروحية لا تكفي لحماية الإنسان حين تتراجع سلطة القانون.
ثم جاءت الجرائم التي ارتكبها تنظيم «داعش» ضد المسيحيين الآشوريين في قرى الخابور بمحافظة الحسكة عام 2015. فقد هاجم التنظيم عدداً من القرى، واختطف أكثر من مئتي مدني، بينهم نساء وأطفال، ودفع آلاف السكان إلى النزوح، في واحدة من الوقائع التي كشفت حجم الخطر الذي تمثله التنظيمات الجهادية على الجماعات الدينية المختلفة.
وفي إدلب، وثقت تقارير حقوقية مصادرة ممتلكات تعود إلى مسيحيين نازحين، وفرض قيود على ممارسة الشعائر الدينية، إلى جانب انتهاكات أخرى تعرض لها من بقوا في مناطق خاضعة لسيطرة فصائل إسلامية متشددة، بينها هيئة تحرير الشام.
ولم تكن المعاناة في وادي النصارى بريف حمص أقل إثارة للقلق. فقد عاشت بلدات مثل مرمريتا والحواش وحب نمرة، إلى جانب قرى أخرى، على وقع مخاطر أمنية وعمليات خطف وابتزاز طالت السكان وهددت حركتهم بين مناطقهم. وتحدثت مراجع كنسية منذ عام 2012 عن حواجز مسلحة، وخطف مدنيين وسياراتهم، ومطالبات بدفع فديات مالية أو إجراء عمليات تبادل.
وقد تورطت في عمليات الخطف والابتزاز مجموعات مسلحة وشبكات إجرامية مختلفة، واختلطت الدوافع المادية أحياناً بالمخاوف الطائفية والصراع السياسي.
لكن ما الذي يعنيه ذلك لأم تنتظر عودة ابنها من عمله، أو لأب يتلقى اتصالاً يطالبه بفدية قد يعجز عن جمعها طوال حياته؟ إن الخطف لا ينتهي أثره دائماً بعودة المخطوف؛ فقد يبقى الخوف حاضراً في كل طريق تسلكه العائلة، وفي قراراتها المتعلقة بالعمل والدراسة والتنقل. وحين يصبح الأمان اليومي رهناً بالمصادفة، تبدأ الهجرة في الظهور بوصفها طريقاً إلى حياة يمكن التنبؤ بمستقبلها.
ولا يمكن فهم هذه الوقائع جميعها باعتبارها حوادث متطابقة في أسبابها أو الجهات المسؤولة عنها. فقد تعددت أطراف الحرب، وتعرض السوريون من مختلف الانتماءات لانتهاكات جسيمة. لكن تراكم هذه التجارب، وما رافقها من تهديدات دينية واجتماعية في بعض المناطق، ساهم في تقويض ثقة عائلات مسيحية بإمكان الاستمرار في وطنها.
والأخطر من العنف المباشر هو امتداد تأثير الفكر المتشدد إلى الحياة الاجتماعية. فالجماعات السلفية الجهادية لا تهدد المجتمع بالسلاح وحده؛ إنها تحمل أيضاً تصورات إقصائية تسعى إلى تنظيم حياة الناس وفق تفسير ديني محدد، وتضييق المساحة المتاحة للاختلاف.
وحين تجد هذه التصورات طريقها إلى الخطاب العام، قد يصبح تكفير المختلف أو التشكيك في أخلاقه أمراً مألوفاً، وقد تتحول حرية المرأة في لباسها، أو حق الفرد في معتقده، أو ممارسة الشعائر الدينية، إلى مسائل تخضع لرقابة اجتماعية متزايدة.
ولا يعني ذلك أن جميع المجتمعات التي شهدت تنامياً في التدين تتبنى هذه الممارسات، أو أن التدين يقود بالضرورة إلى التطرف. فالخطر يظهر عندما يتحول الاعتقاد إلى أداة للوصاية والإكراه، وتصبح حقوق الأفراد مرهونة بمدى توافقهم مع تصور الجماعة الأقوى.
عندئذ قد يغادر الإنسان حتى لو لم يتعرض شخصياً للاعتقال أو الخطف، لأنه فقد ثقته بإمكان حماية حريته وكرامته على المدى الطويل.
لماذا يبدو العالم عاجزاً عن مواجهة هذا الخطر؟
ما يثير الاستغراب أن كثيراً من هذه الانتهاكات جرى أمام أعين العالم، ووُثّق في تقارير أممية وحقوقية وصحفية، ومع ذلك بقيت المسافة واسعة بين معرفة الجرائم والقدرة على منعها أو محاسبة مرتكبيها.
فقد بذلت منظمات حقوقية جهوداً مهمة في توثيق الخطف والقصف ومصادرة الممتلكات والاعتداءات على دور العبادة، لكن هذه الجهود لم تكن كافية لإنهاء معاناة السكان أو توفير ضمانات تحول دون تكرار الانتهاكات.
وتحتاج المؤسسات الحقوقية والإعلامية، في هذا السياق، إلى قدر كبير من الاستقلال والشفافية، وإلى مراجعة مصادر معلوماتها وعلاقاتها السياسية واحتمالات تضارب المصالح لدى العاملين معها. فالانحياز لأي طرف مسلح، أو التساهل مع انتهاكاته لأسباب أيديولوجية، يقوض ثقة الضحايا في المؤسسات التي يفترض أن تدافع عنهم.
ويبقى السؤال الذي يصعب تجاهله: لماذا يتحول التنوع الديني إلى قيمة تحتفي بها المؤتمرات والبيانات الدولية، فيما تتراجع قدرة المجتمعات التي عاشت هذا التنوع قروناً على حمايته في الواقع؟
إن الدفاع عن الوجود المسيحي في سوريا لا يحتاج إلى خطاب ديني متعصب، كما أن الاعتراف بما تعرض له المسيحيون من اضطهاد لا ينتقص من معاناة المسلمين والدروز والإيزيديين وغيرهم من السوريين. فالمساواة في الكرامة تقتضي رؤية معاناة كل جماعة بوضوح، ورفض تحويل أي معتقد أو هوية إلى مبرر للاعتداء على أصحابها.
ولا يمكن لأي مشروع سياسي أو ديني أن يطالب بالشرعية بينما يجعل حقوق المختلفين معه موضع تفاوض.
إن المسيحي السوري لا يطلب امتيازاً خاصاً، ولا يحتاج إلى سلطة تتفضل بالسماح له بالبقاء في أرض أجداده. إنه يريد أن يذهب إلى مدرسته وكنيسته وعمله، وأن يربي أبناءه ويعيش وفق ضميره، من دون خوف من الإهانة أو الخطف أو الاعتداء بسبب معتقده.
وإذا استمرت الهجرة، فلن تكون الخسارة مجرد أرقام جديدة تضاف إلى إحصاءات اللجوء. ستظهر في الأحياء التي فقدت سكانها، والمدارس التي غاب عنها طلابها، والقرى التي تفرقت عائلاتها، وفي انحسار حياة مشتركة تشكلت عبر قرون.
فالوطن الذي يعجز عن حماية اختلاف أبنائه يفقد شيئاً من معناه مع كل إنسان يغادره. وحين يصبح الرحيل شرطاً للشعور بالأمان، فإن السؤال يتجاوز مصير المسيحيين وحدهم: أي مستقبل ينتظر مجتمعاً لم يعد قادراً على طمأنة أبنائه إلى حقهم في البقاء؟
بقلم شيرين يوسف
كاتبة ومترجمة سورية
