تواصل المحكمة الدستورية العليا في سوريا إعداد مشروع قانون جديد ينظّم عملها وصلاحياتها، بحسب ما كشفه عضو المحكمة، المحامي عارف الشعّال، في تصريحات نقلتها صحيفة «القدس العربي».
وأوضح الشعّال أن مشروع القانون يتضمن أكثر من ثلاثين مادة، وأن أعضاء المحكمة أدخلوا تعديلات على مسودة كانت قد أعدتها وزارة العدل، تمهيداً لرفع النص بصيغته النهائية إلى السلطة التنفيذية لإقراره.
وبحسب الشعّال، سيمنح القانون المحكمة صلاحية الفصل في النزاعات المتعلقة بالاختصاص بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، إلى جانب الاختصاصات التي نص عليها الإعلان الدستوري ومرسوم تشكيل المحكمة. كما اعتبر أن المحكمة تستطيع بدء ممارسة مهامها استناداً إلى النصوص النافذة، حتى قبل صدور قانونها الناظم بصورة نهائية.
وتعقد المحكمة اجتماعاتها في مبنى بمنطقة الشعلان في دمشق، كان يُستخدم سابقاً من قبل نائب الرئيس السوري الأسبق فاروق الشرع، في وقت لا تزال فيه أسئلة جوهرية مطروحة حول استقلال المحكمة وطريقة تشكيلها وحدود قدرتها على مراقبة السلطة التنفيذية.
فأعضاء المحكمة السبعة عُيّنوا جميعاً بمرسوم صادر عن الرئيس المؤقت أحمد الشرع، ثم شاركوا في إعداد مشروع القانون الذي سيحدد صلاحياتهم وآلية عمل المؤسسة التي أصبحوا أعضاء فيها. وهو ما دفع المحامي ميشال شماس، وفق «القدس العربي»، إلى التحذير من شبهة تعارض مصالح، منتقداً تعيين أعضاء المحكمة قبل صدور القانون الذي يفترض أن ينظّم عملها.
ويبرز اسم عارف الشعّال في هذا المشهد بصورة خاصة. فقد عُرف خلال عهد بشار الأسد بانتقاد المحاكم الاستثنائية وتغوّل السلطة التنفيذية على القضاء، وقدم نفسه بوصفه قانونياً معارضاً لاستخدام المؤسسات القضائية في خدمة الحاكم.
لكن خطابه في المرحلة التي أعقبت سقوط الأسد بدأ يتخذ منحى أكثر قرباً من السلطة الجديدة. فقد قدم قراءات قانونية اعتبرت أن أحمد الشرع يمتلك، في ظل الفراغ الدستوري، صلاحيات واسعة تشمل تعيين السلطة التنفيذية وتشكيل السلطة التشريعية والإشراف على مجلس القضاء الأعلى.
وقد تُقدَّم هذه المواقف باعتبارها توصيفاً قانونياً للواقع القائم، لا تعبيراً مباشراً عن التأييد السياسي. لكن تكرار الخطاب الذي يبرر توسيع صلاحيات السلطة، ثم انتقال الشعّال نفسه إلى موقع رسمي رفيع بقرار من رأس تلك السلطة، يفتح باباً مشروعاً للسؤال عن المسافة التي بقيت تفصل بين الخبير القانوني المستقل والسلطة التي كان يفترض به مراقبتها.
فالشعّال الذي انتقد في الماضي قضاءً تابعاً للسلطة، أصبح اليوم عضواً في محكمة اختارت السلطة التنفيذية جميع أعضائها. وهو لا يكتفي بعضوية المحكمة، بل يشارك أيضاً في صياغة القانون الذي سينظم صلاحياتها، قبل أن يُرفع المشروع ذاته إلى السلطة التنفيذية للموافقة عليه.
لا توجد وثيقة تثبت أن الشعّال غيّر مواقفه طمعاً بمنصب، كما لا يمكن تحويل هذا الاستنتاج إلى حقيقة صحفية قاطعة. لكن تسلسل الوقائع يكشف تحولاً واضحاً في موقعه: من قانوني يقف خارج المؤسسة وينتقد هيمنة الحاكم عليها، إلى عضو في مؤسسة دستورية أنشأها الحاكم واختار أعضاءها منفرداً.
وفي الدول التي تعاني من إرث طويل من الاستبداد، لا يكفي أن تتغير أسماء المسؤولين أو أن تُستبدل المراسيم القديمة بمراسيم جديدة. فاستقلال القضاء لا يُقاس بخطاب أعضائه ولا بتاريخهم المعارض، بل بقدرتهم على رفض قرارات السلطة عندما تتجاوز القانون.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لعارف الشعّال وللمحكمة الجديدة لن يكون في النصوص التي يشاركون في إعدادها، ولا في الوعود المعلنة عن الفصل بين السلطات، وإنما في أول قضية تتعارض فيها إرادة المحكمة مع إرادة أحمد الشرع.
عندها فقط سيتضح ما إذا كان الشعّال قد انتقل إلى داخل المؤسسة لحماية استقلال القضاء، أم أن معارض الأمس وجد مكانه أخيراً في بنية السلطة الجديدة.
خبرية بلس
وجاء تشكيل المحكمة الدستورية العليا بموجب المرسوم الرئاسي رقم (149) لعام 2026، الذي أصدره الرئيس المؤقت أحمد الشرع في 7 تموز/يوليو 2026، وقضى بتعيين الدكتور عصام خالد الخليف رئيساً للمحكمة، وعضوية كل من: القاضي المستشار خير الله نديم غنوم، والقاضي المستشار محمد مصطفى سبيع، والقاضي المستشار إيمان أنطوان نوري، والدكتور إسماعيل حمادي الخلفان، والدكتورة ريعان حسن كحيلان، والمحامي عارف أحمد الشعّال. وبعد أربعة أيام، في 11 تموز/يوليو 2026، أدى رئيس المحكمة وأعضاؤها اليمين الدستورية أمام أحمد الشرع في قصر الشعب بدمشق، لتباشر المحكمة مهامها رسمياً، وذلك قبل صدور القانون الناظم لعملها واختصاصاتها، الأمر الذي أثار نقاشاً قانونياً حول مدى استقلال مؤسسةٍ شُكّلت بالكامل بقرار من السلطة التنفيذية، في وقت لا يزال الإطار التشريعي الذي يحكم عملها قيد الإعداد.
