قد يستطيع الإنسان أن يتسامح مع فكرة لا يؤمن بها ما دامت بعيدة عن حياته، لكنه قد يجد صعوبة في قبولها حين تمنح الآخرين حرية لا يرغب في الاعتراف بها. وهنا يظهر الفرق بين مجتمع يسمح بتعدد الآراء، ومجتمع يريد لأفراده أن يعيشوا وفق تصور واحد لما ينبغي أن تكون عليه الحياة.

من هذا المنطلق يمكن فهم جانب من العداء الذي تبديه بعض الحركات الإسلامية المتشددة تجاه الليبراليين والعلمانيين. فالمسألة تتجاوز الخلاف على مفاهيم فلسفية أو سياسية؛ إنها تتصل بحدود السلطة التي تستطيع جماعة ما ممارستها على الأفراد، وبحق الإنسان في اختيار معتقده والتعبير عن أفكاره وتنظيم حياته الشخصية.

ويصبح السؤال الأكثر حساسية: هل يحق للجماعة التي تؤمن بصحة قيمها أن تجعل تلك القيم ملزمة لجميع أفراد المجتمع، بمن فيهم المختلفون معها دينياً وفكرياً؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تحدد إلى حد كبير طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة والحرية الفردية، وتكشف الأسباب التي تجعل بعض الاتجاهات المتشددة تنظر إلى التعددية بوصفها خطراً على نفوذها.

لماذا تثير حرية الفرد هذا القدر من القلق؟

تقوم الليبرالية، في جانب أساسي من تقاليدها الفكرية، على حماية حقوق الفرد وحرياته، وعلى وضع حدود لسلطة الدولة والجماعات على حياته. أما العلمانية السياسية فتتناول تنظيم العلاقة بين الدولة والدين، وتختلف نماذجها في تحديد طبيعة هذه العلاقة وحدودها.

ولا يستلزم تبني المبادئ الليبرالية التخلي عن الإيمان الديني، كما لا تعني الدعوة إلى دولة مدنية أو علمانية أن يكون المجتمع خالياً من الدين. فقد يجمع الإنسان بين التزامه بمعتقده ودفاعه عن حرية الآخرين في اختيار معتقداتهم، ويرى أن حماية التنوع الديني تتطلب قوانين لا تمنح جماعة احتكار السلطة باسم الدين.

لكن بعض الخطابات المتشددة تقدم الليبرالية والعلمانية في صورة مشوهة، فتختزلهما في العداء للأخلاق أو المقدسات أو الهوية الثقافية. وبذلك تنتقل المواجهة من مناقشة أفكار محددة إلى اتهام أصحابها بنوايا ومقاصد قد لا يؤمنون بها أصلاً.

وتزداد خطورة هذا الأسلوب عندما يُطلب من صاحب الرأي أن يثبت سلامة عقيدته أو ولاءه للمجتمع قبل أن يُسمح له بمناقشة قضية سياسية أو اجتماعية.

فالمطالبة بحرية الضمير قد تُقدَّم باعتبارها دعوة إلى محاربة الدين، والمساواة بين المواطنين قد تُصوَّر تهديداً لهوية الأغلبية، ونقد السلطة الدينية أو السياسية قد يتحول إلى اتهام بمعاداة المقدسات.

وما يجمع هذه الاتهامات أنها تصرف النقاش عن موضوعه الحقيقي: حدود سلطة الجماعة على الفرد.

في بعض التصورات الأيديولوجية المتشددة، يُنظر إلى المجتمع باعتباره وحدة ينبغي أن تتطابق قيمها ومعتقداتها وسلوكياتها. وتمنح هذه الرؤية الجماعة التي تدّعي تمثيل تلك القيم دوراً يتجاوز الإرشاد والنقاش، لتصبح جهة تسعى إلى تقرير المقبول والمرفوض في حياة الجميع.

أما حرية الفرد فتضع حدوداً واضحة لهذه الوصاية. فهي تمنح الإنسان حق اتخاذ قرارات قد لا تحظى برضا الجماعة، ما دامت لا تنتهك حقوق الآخرين. وتعيد إلى المواطن سلطة الاختيار في أمور تتصل بمعتقده وضميره وحياته الشخصية.

ولهذا قد يصبح الشخص الذي يعيش وفق قناعات مختلفة أكثر إزعاجاً من النقاش النظري حول تلك القناعات؛ إذ يثبت، من خلال حياته اليومية، أن الانتماء إلى المجتمع ممكن من دون الخضوع لوصاية فكرية واحدة.

من الخلاف الفكري إلى حق المواطنة

تتجلى أهمية هذه المسألة في المجتمعات العربية والإسلامية التي تتنوع فيها المعتقدات والمذاهب والاتجاهات الثقافية والسياسية. فحتى داخل الدين الواحد، تختلف القراءات الفقهية والفكرية والأخلاقية، وتتباين تصورات المؤمنين لعلاقة الدين بالسياسة والقانون.

فأي تفسير ينبغي أن تتبناه الدولة إذا أرادت إلزام مواطنيها برؤية دينية محددة؟ ومن يمتلك سلطة اختياره؟ وكيف ستتعامل مع المؤمنين الذين يرفضونه، ومع المواطنين المنتمين إلى أديان أخرى، ومع الذين لا يتبنون معتقداً دينياً؟

إن هذه الأسئلة تتعلق بالمساواة القانونية وبطبيعة المواطنة، وتظل مطروحة مهما كانت قوة الأغلبية العددية أو عمق ارتباطها بمعتقداتها.

والتمييز الضروري هنا هو بين حرية الجماعة في الدفاع عن قيمها، ومحاولتها فرض تلك القيم على الآخرين. فمن حق المؤمن أن يمارس شعائره ويدافع عن قناعاته ويناقش مخالفيه، ومن حق الليبرالي أو العلماني أن يطرح تصوراته للدولة والمجتمع. لكن أحداً لا يمتلك حق حرمان المختلفين من حرياتهم الأساسية لمجرد رفضهم موقفه.

ويتطلب هذا المبدأ أيضاً مساءلة الخطابات الليبرالية والعلمانية نفسها عندما تقع في التعميم والإقصاء. فتصوير جميع المتدينين بوصفهم أعداء للعقل أو الحرية يكرر آلية التصنيف التي تُستخدم ضد المختلفين، ويحول النقاش إلى خصومة بين هويات مغلقة.

إن الدفاع الجاد عن الحرية ينبغي أن يشمل الإنسان الذي يختار حياة دينية محافظة، كما يشمل الإنسان الذي يختار نمطاً مختلفاً، ضمن إطار قانوني يكفل الحقوق للجميع.

ولا يعني احترام التعددية اعتبار الآراء كلها صحيحة أو الامتناع عن نقد الأفكار المتشددة. فالنقد الفكري جزء أساسي من الحياة العامة، ومن حق المجتمع مساءلة أي مشروع يسعى إلى تقييد الحريات أو التمييز بين المواطنين. لكن قوة النقد تتجلى في دقة حججه، وقدرته على كشف التناقضات، وامتناعه عن تحويل الاعتراض على الفكرة إلى عداء شامل لأصحاب هوية معينة.

إن المجتمع الذي يتعلم إدارة الاختلاف يستطيع أن يحول تنوعه إلى مجال للحوار والإبداع والمراجعة. أما المجتمع الذي يفسر كل اختلاف بوصفه تهديداً، فيضع نفسه أمام صراعات متجددة، لأن الناس لن يتوقفوا عن امتلاك قناعات وتجارب متباينة.

وتبقى المسألة الحاسمة هي موقف كل تيار من حقوق من يعارضونه. فمن السهل الدفاع عن الحرية حين تكون حرية الأصدقاء والأنصار، ومن السهل إعلان التسامح عندما لا يترتب عليه الاعتراف بحق المختلف في الاختيار.

أما الامتحان الحقيقي فيبدأ عندما يمتلك الإنسان القدرة على فرض قناعته، ثم يعترف بأن للآخرين الحق في رفضها. ففي هذه اللحظة تتضح المسافة بين الإيمان بالفكرة والرغبة في السيطرة باسمها.


بقلم شيرين علوش

كاتبة ومترجمة – سوريا