قد يجلس الإنسان بين أصدقائه أو زملائه، ويستمع إلى حديث يخالف قناعاته، ثم يختار الصمت خشية أن يُساء فهمه أو أن تترتب على رأيه عواقب لا يستطيع تحملها. وربما يشارك في تأييد موقف لا يؤمن به، أو يتجنب الدفاع عن شخص يتعرض للظلم، أو يحذف كلمات من حديثه قبل أن ينطق بها. تبدو هذه التصرفات بسيطة إذا نظرنا إليها منفردة، لكنها تكشف عن تحول عميق عندما تصبح سلوكاً شائعاً في المجتمع، إذ ينتقل الخوف من كونه استجابة فردية للخطر إلى قوة تتحكم في العلاقات الإنسانية وتحدد حدود التفكير والتعبير.

ليس الصمت دائماً علامة على الخضوع، فقد يكون اختياراً واعياً لتجنب نزاع لا جدوى منه، أو وسيلة لحماية النفس والعائلة في ظروف تهدد السلامة الشخصية. ومن الظلم مطالبة الإنسان بالشجاعة في كل موقف من دون النظر إلى الثمن الذي قد يدفعه. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الصمت شرطاً غير معلن للمشاركة في الحياة العامة، وعندما يكتشف الأفراد أن قدرتهم على العمل والتعلم والعيش بأمان تتوقف على ما يمتنعون عن قوله أكثر مما تتوقف على ما يقولونه.

لا تحتاج المجتمعات إلى سلطة تراقب كل كلمة حتى تنتشر فيها الرقابة. يكفي أن يتعلم الناس، من تجاربهم وتجارب الآخرين، أن التعبير عن بعض الأفكار قد يؤدي إلى الإقصاء أو التشهير أو فقدان العمل أو تهديد العلاقات الاجتماعية. ومع تكرار هذه الخبرات، تتشكل رقابة داخلية تسبق العقوبة الخارجية، فيبدأ الفرد بتوقع ردود الأفعال، ويعيد ترتيب أفكاره وفق ما يعتقد أن الآخرين يريدون سماعه. وهكذا تتقلص مساحة الحرية من دون أن تظهر دائماً قيود مكتوبة أو أوامر مباشرة.

تساعدنا نظرية «دوامة الصمت»، التي طورتها الباحثة الألمانية إليزابيث نويل نيومان (Elisabeth Noelle-Neumann)، على فهم جانب من هذه الظاهرة. فقد تناولت العلاقة بين تصور الفرد لمناخ الرأي العام واستعداده لإعلان موقفه، موضحةً كيف يمكن للخوف من العزلة الاجتماعية أن يدفع بعض الأشخاص إلى إخفاء آرائهم عندما يعتقدون أنها تخالف الرأي السائد. ويؤدي ذلك إلى نتيجة مفارقة، إذ يبدو الموقف الأكثر حضوراً في المجال العام أوسع تأييداً مما هو عليه في الواقع، بينما تزداد الآراء المخالفة اختفاءً بسبب ضعف ظهور أصحابها.

تكمن خطورة هذه العملية في أنها قد تجعل المجتمع عاجزاً عن معرفة نفسه. فالمواقف التي يسمعها الناس لا تعبر بالضرورة عن مجموع القناعات الموجودة بينهم، وما يبدو إجماعاً قد يكون أحياناً حصيلة صمت واسع. وعندما يتصرف الجميع وفق ما يتصورون أنه رأي الآخرين، تنشأ صورة اجتماعية مضللة يصعب التمييز فيها بين الاقتناع الحقيقي والموافقة الناتجة عن الخوف. وقد يظن الفرد أنه وحيد في اعتراضه، مع أن كثيرين يشاركونه الاعتراض نفسه من دون أن يجرؤوا على إعلانه.

وقد تناول الاقتصادي وعالم الاجتماع تيمور كوران (Timur Kuran) هذه المسألة من زاوية أخرى في كتابه «حقائق خاصة وأكاذيب علنية»، حيث درس ظاهرة إخفاء التفضيلات الحقيقية وإظهار مواقف مختلفة عنها تحت تأثير الضغوط الاجتماعية. ولا تقتصر نتائج هذه الظاهرة على الأفراد، إذ يمكن أن تؤثر في القرارات الجماعية وتساعد على استمرار أوضاع لا تحظى بالقبول الذي توحي به المواقف المعلنة. فحين ينفصل ما يقوله الناس عما يعتقدونه، تتراجع قدرة المجتمع على مناقشة مشكلاته استناداً إلى معرفة صادقة بمواقف أفراده.

والخوف لا يغير الخطاب العام وحده، فهو يؤثر أيضاً في طبيعة العلاقات الشخصية. فقد تصبح الصداقة مجالاً للحذر، ويتحول الاختلاف الفكري داخل العائلة إلى مصدر للتوتر، ويختار الزملاء تبادل العبارات المأمونة عوضاً عن مناقشة المسائل التي تشغلهم فعلاً. ومع مرور الوقت، تتراجع الثقة المتبادلة، لأن الإنسان الذي يخشى الإفصاح عن رأيه قد يجد صعوبة في معرفة مواقف الآخرين أيضاً. وينشأ بذلك نوع من العزلة داخل الجماعة نفسها، حيث يجتمع الناس في المكان الواحد من دون أن يشعروا بالأمان الكافي للتعبير عن ذواتهم.

تزداد هذه الظاهرة تعقيداً في المجتمعات التي تحتل فيها السمعة الاجتماعية مكانة كبيرة في تحديد فرص الفرد وعلاقاته. فقد لا تكون العقوبة قانونية أو رسمية، إذ تكفي أحياناً تهمة أخلاقية أو دينية أو اجتماعية لإلحاق ضرر يصعب إصلاحه. ويصبح السؤال الذي يسبق التعبير عن الرأي متعلقاً بالعواقب المحتملة أكثر من تعلقه بصحة الفكرة. وعندما يخضع التفكير باستمرار لهذا الحساب، يفقد الحوار جانباً مهماً من وظيفته، لأن المشاركين فيه لا يعرضون بالضرورة أفضل ما لديهم من حجج، وإنما ما يعتقدون أنه أقل إثارة للمشكلات.

ولعل أكثر ما يثير القلق أن هذا الخوف قد ينتقل بين الأجيال من دون تعليم مباشر. فالطفل يراقب الكبار حين يخفضون أصواتهم عند الحديث عن موضوع معين، ويدرك أن بعض الأسئلة غير مرحب بها، وأن التعبير عن الاختلاف قد يجلب المتاعب. ثم يحمل هذه الخبرات إلى المدرسة والجامعة والعمل، حيث يتعلم أحياناً أن الإجابة المقبولة أهم من السؤال الصادق، وأن تجنب الخطأ الاجتماعي أكثر أمناً من محاولة الفهم. وبذلك تتحول الرقابة الذاتية إلى عادة تربوية وثقافية يصعب التخلص منها حتى عندما تتغير الظروف التي نشأت فيها.

غير أن العلاقة بين الخوف والصمت لا تسير في اتجاه واحد. فالصمت المستمر قد يعزز الظروف التي تولد الخوف، لأن غياب الاعتراض يتيح للمواقف المتشددة أن تبدو طبيعية ومقبولة. وإذا لم يجد خطاب الإقصاء من يناقشه، فقد تتسع المساحة التي يحتلها في الحياة العامة، ويزداد شعور المختلفين بأنهم غير مرغوب فيهم. ولا يعني ذلك تحميل الأفراد الصامتين مسؤولية الظلم الواقع عليهم، فالمسؤولية الأساسية تقع على الجهات والممارسات التي تجعل التعبير خطراً. لكنه يوضح كيف يمكن لنظام اجتماعي قائم على التخويف أن يعيد إنتاج نفسه بمشاركة أشخاص لا يؤيدونه في قرارة أنفسهم.

ولا يكفي التغني بحرية التعبير لتجاوز هذه المشكلة. فالحرية تحتاج إلى شروط اجتماعية ومؤسسية تجعل ممارستها ممكنة، وفي مقدمتها حماية الأفراد من الاعتداء والتمييز، وضمان ألا يتحول اختلاف الرأي إلى سبب للحرمان من العمل أو التعليم أو الحقوق الأساسية. كذلك يحتاج المجتمع إلى مؤسسات تعليمية وإعلامية تشجع النقاش المسؤول، وإلى ثقافة تميز بين نقد الأفكار والإساءة إلى أصحابها. فحرية التعبير لا تقتصر على حق الإنسان في الكلام، وتشمل أيضاً قدرته على الاختلاف من دون أن يخشى على وجوده الاجتماعي أو سلامته الشخصية.

ولا يمكن فصل هذه الشروط عن احترام التعددية. فالمجتمع الذي يتقبل الاختلاف داخل الجماعات الصغيرة، في الأسرة والمدرسة ومكان العمل، يكون أقدر على التعامل معه في المجال العام. وتبدأ هذه القدرة بالاعتراف بأن الآخر قد يصل إلى استنتاج مختلف من دون أن يكون عدواً أو خائناً أو ناقص الانتماء. ولا يقتضي ذلك التساهل مع التحريض على العنف أو التمييز، إذ إن حماية حرية التعبير تستلزم أيضاً حماية الأشخاص الذين قد يصبحون أهدافاً للكراهية. إنما تتحدد قيمة الحوار بقدرته على إبقاء الخلاف ضمن مساحة الحجة والمساءلة، بعيداً عن التهديد والتجريد من الإنسانية.

ومن الضروري التمييز بين احترام الصمت الاختياري ومعالجة الصمت المفروض. فليس مطلوباً من الإنسان أن يكشف جميع أفكاره أو أن يشارك في كل جدل عام، لأن الخصوصية جزء من حريته أيضاً. والمشكلة الحقيقية تظهر عندما يفقد القدرة على الاختيار، فيصمت رغم رغبته في الكلام، أو يوافق رغم اقتناعه بالعكس. عند هذه النقطة يصبح الصمت مؤشراً على اختلال العلاقة بين الفرد والمجتمع، وتغدو استعادة حرية التعبير مرتبطة باستعادة الثقة والأمان.

ولذلك لا يبدأ بناء مجتمع حر بمطالبة الناس بأن يتحدثوا بصوت أعلى، وإنما بإزالة الأسباب التي تجعلهم يخفضون أصواتهم. فالمجتمع الذي يحتاج أفراده إلى إخفاء آرائهم كي يواصلوا حياتهم بصورة طبيعية لا يستطيع الاعتماد على ما يسمعه من أصوات بوصفه تعبيراً أميناً عن واقعه. وكلما اتسعت المسافة بين القناعة الشخصية والموقف المعلن، تراجعت قدرة المجتمع على تصحيح أخطائه ومواجهة تناقضاته. أما الحرية الحقيقية فتظهر عندما يستطيع الإنسان أن يقول ما يؤمن به، وأن يراجع رأيه أو يغيره، وأن يختلف مع الآخرين من دون أن يفقد حقه في الاحترام والأمان.


بقلم شيرين علوش

كاتبة ومترجمة – سوريا