تبدأ بعض الجرائم قبل وقوعها بوقت طويل. قبل أن يُشهر القاتل سلاحه، وقبل أن يُطرد إنسان من بيته بسبب معتقده، وقبل أن تتحول هوية جماعة إلى ذريعة لاضطهادها، تكون فكرة قد استقرت في الأذهان: أن هناك بشراً يستحقون حقوقاً أقل من سواهم، وأن اختلافهم يجعلهم موضع ريبة، وربما خطراً ينبغي التخلص منه.

هذه هي اللحظة التي يستحق فيها التطرّف أن يُدرس؛ حين يكون فكرة تتداولها الألسنة، وتصوراً للعالم يتسلل إلى التربية والخطاب العام، قبل أن يصبح فعلاً يعاقب عليه القانون.

ليس كل تعصب مقدمة حتمية للعنف، وليس كل صاحب اعتقاد راسخ متطرفاً. فالإنسان يستطيع أن يؤمن بصحة أفكاره، وأن يتمسك بدينه أو قناعاته السياسية، من دون أن ينكر على الآخرين حقهم في الاختلاف. تبدأ المشكلة عندما تتحول القناعة الشخصية إلى معيار للحكم على قيمة الإنسان، ويصبح الانتماء إلى جماعة بعينها شرطاً للاستحقاق الأخلاقي والاجتماعي.

عندئذ تتغير وظيفة الفكرة. فبعد أن كانت وسيلة لفهم العالم، تصبح أداة لتقسيمه إلى جماعتين: جماعة تحتكر الصواب والفضيلة، وأخرى تُحمّل مسؤولية الانحطاط والخطر والفساد. ومع تكرار هذا التقسيم، يتراجع حضور الأفراد بصفاتهم وتجاربهم، وتطغى عليهم صورة جماعية تختزلهم في دين أو مذهب أو موقف سياسي.

من الاختلاف إلى صناعة العدو

لا تحتاج الكراهية في بداياتها إلى خطاب صريح يدعو إلى القتل. يكفي أن تُقدَّم جماعة بشرية باستمرار بوصفها مصدراً للتهديد، أو أن تُنسب إليها صفات أخلاقية ثابتة، أو أن تُفسَّر أفعال أفرادها باعتبارها دليلاً على طبيعة جميع المنتمين إليها.

تبدو هذه الأحكام أحياناً عابرة، لكنها تترك أثراً يتراكم مع الزمن. فاللغة التي تسخر من المختلف وتجرّده من فرديته تهيئ المناخ الذي يصبح فيه التمييز أمراً مألوفاً، ويغدو الاعتراض على الظلم الواقع عليه أقل حضوراً.

والأخطر أن الخطاب المتعصب لا يكتفي بتشويه صورة الآخر؛ إنه يعيد تشكيل ضمير الجماعة التي تتبناه. فمن يقتنع بأن خصمه يمثل شراً مطلقاً قد يرى في إيذائه واجباً، وفي التسامح معه ضعفاً، وفي الاعتراف بحقوقه تنازلاً عن الحقيقة.

هكذا يمكن أن يتحول الشعور بالتفوق الأخلاقي إلى وسيلة لتعطيل الحس الأخلاقي نفسه.

لماذا تجد الكراهية من يصغي إليها؟

تزداد جاذبية التفسيرات المتطرفة في البيئات التي يشعر فيها الناس بالخوف وفقدان السيطرة على حياتهم. فالأزمات الاقتصادية، والحروب، وانهيار الثقة بالمؤسسات، واضطراب العلاقات الاجتماعية، تخلق أسئلة معقدة لا تملك إجابات سريعة.

في مثل هذه الظروف، يقدم الخطاب المتطرف تفسيراً مريحاً في بساطته: هناك عدو مسؤول عن كل ما يحدث، والتخلص من تأثيره هو الطريق إلى استعادة النظام والكرامة والأمان.

تمنح هذه الرواية أتباعها شعوراً بالوضوح والانتماء، وتوفر لهم هدفاً يمكن توجيه الغضب نحوه. لكنها تفعل ذلك على حساب فهم الأسباب الحقيقية للأزمات، وتستبدل التفكير في الحلول بالبحث المستمر عن متهمين.

ولا تنحصر هذه الآلية في التطرف الديني. فقد عرف التاريخ أشكالاً من التعصب القومي والعرقي والسياسي قامت على المنطق نفسه، حين ادعت جماعة امتلاك الحقيقة النهائية، وصورت وجود المختلفين عنها بوصفه عقبة أمام خلاص المجتمع.

تختلف الشعارات والرموز، وتبقى الآلية متشابهة: هوية مغلقة، وعدو دائم، ووعد بمستقبل أفضل يتحقق بإقصاء الآخرين.

حين تصبح الكراهية جزءاً من الحياة اليومية

لا تنتقل الأفكار المتعصبة عبر التنظيمات المتطرفة وحدها. فقد تجد طريقها إلى الأحاديث العائلية، والمناهج التعليمية، والمنابر الإعلامية، ومواقع التواصل الاجتماعي، وحتى النكات التي تبدو بريئة.

يتعلم الطفل أحياناً الخوف من جماعة لم يلتقِ أحداً من أفرادها. ويكبر وهو يحمل أحكاماً ورثها من محيطه، من دون أن تتاح له فرصة اختبارها. وقد يكتشف لاحقاً أن الأشخاص الذين صُوّروا له بوصفهم غرباء أو أعداء يشبهونه في مخاوفهم وآمالهم وتفاصيل حياتهم.

لهذا تمثل التربية على التفكير النقدي والقدرة على مراجعة الأحكام المسبقة جزءاً أساسياً من مواجهة التعصب. فمعرفة الآخر بوصفه إنساناً، لا ممثلاً مجرداً لجماعته، تضعف الصور النمطية التي تتغذى عليها الكراهية.

غير أن المسؤولية لا تقع على التعليم وحده. فالإعلام الذي يختزل المجتمعات في هويات متصارعة، والخطاب الديني أو السياسي الذي يساوي بين الاختلاف والخيانة، والمؤسسات التي تتسامح مع التمييز، تسهم جميعها في جعل الإقصاء أكثر قبولاً.

مواجهة التطرف قبل أن يتحول إلى جريمة

عندما يصل التطرف إلى مرحلة العنف، تصبح الإجراءات الأمنية والقضائية ضرورية لحماية الناس ومحاسبة المعتدين. لكن الاقتصار على هذه المرحلة يترك الظروف التي سمحت بنمو الكراهية من دون معالجة.

فالقوانين تستطيع معاقبة التحريض والاعتداء، لكنها تحتاج إلى ثقافة اجتماعية تسندها، وإلى مؤسسات تحمي المساواة، وإلى فضاء عام يسمح بالنقاش والاختلاف من دون تهديد أو تخوين.

ولا تعني مواجهة التطرف مطالبة الناس بالتخلي عن معتقداتهم أو هوياتهم. إن حرية الاعتقاد جزء من الحرية التي ينبغي الدفاع عنها. والمطلوب أن يدرك كل فرد أن قوة إيمانه بفكرة لا تمنحه سلطة على ضمير غيره، وأن حقه في التعبير لا يشمل التحريض على حرمان الآخرين من حقوقهم.

إن المجتمع الذي يحترم الاختلاف لا يخلو من الخلافات الحادة، لكنه يضع حدوداً واضحة بين نقد الأفكار والاعتداء على أصحابها، وبين الدفاع عن الهوية وتحويلها إلى مبرر للتمييز.

وتبقى أخطر لحظات التعصب تلك التي يفقد فيها الإنسان قدرته على رؤية الإنسان الآخر خارج التصنيفات التي ورثها أو اعتنقها. ففي تلك اللحظة، يصبح الألم الذي يصيب المختلف أقل إثارة للتعاطف، ويصبح الظلم أسهل تبريراً.

لهذا لا تبدأ مقاومة التطرف عند ظهور السلاح وحده. إنها تبدأ حين نرفض تحويل البشر إلى صور مشوهة، وحين نسأل عن الأدلة قبل تصديق الاتهامات، وحين نتمسك بأن الكرامة الإنسانية لا تتغير بتغير الدين أو الرأي أو الانتماء.

فالكراهية التي تنتهي بجريمة قد تكون بدأت بجملة قيلت من دون اعتراض، ثم تحولت إلى قناعة، ثم إلى إذن أخلاقي بإيذاء الآخر.

وما يحتاجه المجتمع قبل أن يسأل كيف يوقف العنف، هو أن يسأل نفسه كيف سمح للكراهية بأن تصبح أمراً عادياً.

بقلم شيرين يوسف

كاتبة ومترجمة سورية