قد تتوقف المعارك وتعود الحركة إلى الأسواق والشوارع، لكن انتهاء القتال لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب من حياة الناس. فالعنف الذي يستمر سنوات يترك آثاراً تتجاوز المباني المهدمة والخسائر البشرية، ويمتد إلى العلاقات الاجتماعية والمؤسسات والقيم التي تنظم الحياة المشتركة. وقد يجد المجتمع نفسه أمام مهمة أشد تعقيداً من إعادة بناء ما دمرته المواجهات، تتمثل في استعادة الثقة بين أفراده، ومعالجة المظالم التي تراكمت، وإيجاد قواعد تتيح للناس العيش معاً بعد أن أصبح بعضهم يخشى بعضاً.

تبدأ صعوبة بناء السلام من الخلط بين توقف العنف المسلح وزوال الأسباب التي أنتجته. فقد تضع الأطراف المتحاربة أسلحتها نتيجة اتفاق سياسي أو إنهاك عسكري، بينما تظل أسباب النزاع قائمة في توزيع السلطة والموارد، أو في غياب العدالة، أو في الشعور المتبادل بالتهديد. وفي هذه الحالة يمكن أن يستمر الصراع بأشكال أخرى، من خلال التمييز والإقصاء والانتقام والتحريض، حتى إن اختفت مظاهره العسكرية المباشرة.

وقد ميّز الباحث النرويجي يوهان غالتونغ (Johan Galtung)، في دراسته «العنف والسلام وأبحاث السلام» الصادرة عام 1969، بين أشكال العنف المباشر والعنف المرتبط بالبنى الاجتماعية التي تحول دون حصول الأفراد على فرصهم وحقوقهم. وأتاح هذا المنظور فهماً أوسع للسلام يتجاوز غياب الحرب إلى النظر في الظروف التي تسمح باستمرار الظلم وعدم المساواة. وتبرز أهمية هذا التمييز عندما تنتهي المواجهات المسلحة بينما تبقى المؤسسات والعلاقات التي ساهمت في إنتاج النزاع على حالها.

لا يستطيع المجتمع استعادة استقراره بمجرد إزالة الحواجز العسكرية إذا بقيت الحواجز النفسية والاجتماعية قائمة. فالحرب تعيد تشكيل صورة الآخر، وتجعله في بعض الأحيان مصدراً دائماً للخوف أو الاشتباه. وقد يتحول الجار الذي عاش سنوات طويلة إلى جانب جاره إلى شخص يصعب الوثوق به، نتيجة الانتماء السياسي أو الديني أو الجغرافي الذي ارتبط بأحد أطراف الصراع. ومع انتشار الروايات المتعارضة عن الماضي، تتراجع القدرة على الاعتراف بتجارب الآخرين، لأن كل جماعة قد تنظر إلى معاناتها بوصفها الدليل الوحيد على حقيقة ما حدث.

وتتعمق هذه المشكلة عندما تصبح الذاكرة الجماعية مجالاً للمنافسة. فالأفراد والجماعات يحتاجون إلى الاعتراف بالخسائر التي تعرضوا لها، لكن الألم قد يتحول إلى مصدر جديد للانقسام إذا استُخدم لنفي معاناة الآخرين. وقد تنشأ روايات تقدم جماعة كاملة بوصفها ضحية، وأخرى بوصفها مسؤولة عن العنف، مع تجاهل الفروق بين من ارتكب الجرائم ومن رفضها أو حاول منعها. ويساهم هذا التعميم في نقل المسؤولية من الأفراد والمؤسسات إلى الهويات الجماعية، بما يجعل الأجيال اللاحقة ترث خصومات لم تشارك في صنعها.

ولا تتطلب المصالحة الحقيقية أن تتساوى جميع المسؤوليات أو أن تُمحى الفروق بين الضحية والجاني. فالاعتراف بالانتهاكات يستلزم تحديد المسؤوليات وفق الوقائع والأدلة، وحماية حقوق الضحايا في الحقيقة والإنصاف. أما المساواة المصطنعة بين التجارب، أو دعوة المتضررين إلى نسيان الماضي قبل الاعتراف بما وقع لهم، فقد تزيد شعورهم بالعجز والخذلان. ولذلك لا يمكن بناء سلام مستقر على مطالبة الضحايا بالصمت من أجل الحفاظ على صورة ظاهرية للوحدة الاجتماعية.

وتكتسب العدالة أهمية خاصة في المجتمعات الخارجة من الحروب، لأن غياب المساءلة قد يرسل رسالة مفادها أن العنف وسيلة فعالة للحصول على السلطة أو حماية المصالح. غير أن العدالة لا ينبغي اختزالها في العقوبة وحدها، فهي تتضمن أيضاً كشف الحقائق، وجبر الضرر قدر الإمكان، وإصلاح المؤسسات التي سمحت بوقوع الانتهاكات. وتتطلب هذه العملية ضمانات قانونية واضحة تمنع الانتقام الجماعي، وتحافظ على حقوق المتهمين والضحايا معاً، حتى لا تتحول الرغبة في الإنصاف إلى ذريعة لارتكاب مظالم جديدة.

لكن بناء السلام لا يجري في المحاكم والمؤسسات السياسية وحدها. ففي الحياة اليومية تتشكل العلاقات التي يحتاج إليها المجتمع ليستعيد قدرته على العمل المشترك. وقد يكون من الصعب على شخصين عاشا على طرفي النزاع أن يعملا في مؤسسة واحدة، أو أن يرسلا أبناءهما إلى المدرسة نفسها، أو أن يتعاونا في إدارة شؤون الحي. وتحتاج مثل هذه العلاقات إلى وقت وتجارب متكررة يشعر فيها الأفراد بأن التزامهم بالقواعد المشتركة يحميهم، وأن الاختلاف في الانتماء لا يعرضهم للتهديد.

وهذا ما يمنح مفهوم بناء السلام بعداً اجتماعياً عميقاً. فقد أكد الباحث جون بول ليدراخ (John Paul Lederach)، في كتابه «بناء السلام: المصالحة المستدامة في المجتمعات المنقسمة»، أهمية تجاوز المقاربات التي تركز على القيادات السياسية والاتفاقات قصيرة الأمد، والعمل على تطوير عملية طويلة المدى تشارك فيها مستويات متعددة من المجتمع. فاستقرار السلام يرتبط بوجود علاقات ومؤسسات محلية قادرة على معالجة النزاعات قبل تحولها إلى مواجهات، وعلى بناء جسور بين الجماعات التي مزقتها الحرب.

وتؤدي المؤسسات التعليمية دوراً بالغ الأهمية في هذا المجال. فالمدرسة التي تستمر في تقديم التاريخ من منظور الإقصاء والانتصار المطلق قد تعيد إنتاج الصور التي غذت النزاع. أما التعليم الذي يشجع التفكير النقدي، ويميز بين المسؤولية الفردية والانتماء الجماعي، ويعرض الوقائع التاريخية بصورة تسمح بفهم تعقيداتها، فيساعد على الحد من انتقال العداوات إلى الأجيال الجديدة. ولا يتطلب ذلك تجاهل الجرائم أو تجميل الماضي، وإنما التعامل معه باعتباره موضوعاً للمعرفة والمساءلة، لا وسيلة دائمة لتغذية الخوف.

كما يتطلب السلام إعادة الاعتبار إلى الحياة المدنية التي تتضرر خلال الحروب. فحين تتراجع المؤسسات العامة وتضعف سيادة القانون، قد يلجأ الأفراد إلى شبكات الانتماء الضيقة طلباً للحماية والمساعدة. ومع مرور الوقت، يمكن أن تصبح هذه الشبكات بديلاً عن الثقة بالمؤسسات المشتركة، فيتكرس الشعور بأن الحقوق لا تُنال إلا من خلال القوة أو الولاء. ويقتضي تجاوز هذا الوضع بناء مؤسسات تقدم الخدمات وتحمي الحقوق وفق قواعد عامة، من دون تمييز بين المواطنين بسبب هوياتهم أو مواقفهم.

ولا يمكن تجاهل أثر الظروف الاقتصادية في استمرار التوتر الاجتماعي. فالحرب تدمر مصادر الرزق وتضعف التعليم والخدمات، وقد تخلق مصالح اقتصادية ترتبط باستمرار الفوضى. وعندما يواجه الناس البطالة والفقر وانعدام الأمان، قد يصبح استغلال مظالمهم أسهل، ولا سيما إذا شعروا بأن جماعات أخرى تحصل على امتيازات لا تتاح لهم. ولهذا فإن إعادة الإعمار تحتاج إلى معايير واضحة للعدالة والشفافية، حتى لا تتحول المساعدات وفرص العمل والتعويضات إلى أسباب إضافية للصراع.

وتحمل عودة النازحين والمهجرين تحديات اجتماعية وقانونية تتطلب معالجة دقيقة. فقد يجد العائدون أن ممتلكاتهم تعرضت للتدمير أو المصادرة، أو أن علاقاتهم السابقة تغيرت، أو أن جيرانهم ينظرون إليهم بريبة. وقد يحتاج من بقوا في مناطق النزاع إلى معالجة خسائرهم أيضاً. ويصبح تنظيم العودة واستعادة الحقوق وإعادة دمج الأفراد مهمة تتجاوز توفير المسكن، لأنها ترتبط بالشعور بالانتماء وبإمكانية استئناف الحياة من دون خوف أو تمييز.

وتزداد صعوبة هذه المهمة عندما تكون الحرب قد ألحقت أضراراً عميقة بالصحة النفسية والعلاقات الأسرية. ففقدان الأحبة والتعرض للعنف والنزوح المستمر قد يتركون آثاراً طويلة الأمد في سلوك الأفراد وقدرتهم على الثقة والشعور بالأمان. لكن من الضروري تجنب النظر إلى جميع الناجين بوصفهم عاجزين عن تجاوز تجاربهم، إذ تختلف الاستجابات الإنسانية للمعاناة، ويحتفظ كثير من الناس بقدرات كبيرة على التكيف والتضامن وإعادة بناء حياتهم. والمطلوب توفير الدعم الملائم لمن يحتاج إليه، واحترام تجارب الناجين، وإتاحة مشاركتهم في القرارات التي تتعلق بمستقبلهم.

ولا تستطيع أي تسوية سياسية أن تفرض المصالحة على الأفراد بقرار إداري. فقد يختار بعض المتضررين التسامح، بينما يحتاج آخرون إلى وقت أطول، وقد يرفض بعضهم إقامة علاقات شخصية مع من ألحقوا بهم الأذى. وليس من العدل تحويل الصفح إلى واجب اجتماعي، لأن المصالحة التي تقوم على الضغط قد تعيد إنتاج اختلال القوة الذي ساهم في حدوث الظلم. والأهم هو بناء نظام يستطيع فيه الجميع التمتع بالحقوق والحماية، حتى في غياب التقارب العاطفي أو الاتفاق حول تفسير الماضي.

وتكشف تجارب المجتمعات المنقسمة أن السلام يحتاج إلى قدرة مستمرة على إدارة الاختلاف. فالنزاعات الاجتماعية والسياسية لا تختفي من المجتمعات الحرة، لكن وجود مؤسسات عادلة وقنوات سلمية للتعبير والمشاركة يسمح بمعالجتها من دون اللجوء إلى العنف. ومن هنا تصبح التعددية السياسية وحرية التعبير واستقلال القضاء عناصر مرتبطة باستقرار السلام، لأنها تتيح للأفراد الدفاع عن مصالحهم ومواقفهم بوسائل قانونية ومعلنة.

إن أصعب ما تواجهه المجتمعات الخارجة من الحروب هو أن تستعيد قدرتها على النظر إلى المستقبل من دون أن تظل أسيرة مخاوف الماضي. ولن يتحقق ذلك بمجرد إعادة بناء المدن أو توقيع الاتفاقات، مهما بلغت أهميتها، لأن السلام يتطلب إعادة تأسيس الثقة بين الإنسان والمؤسسات، وبين الأفراد والجماعات المختلفة. وتبدأ هذه العملية حين يصبح القانون ضمانة للجميع، وحين يُعترف بالضحايا وتُعالج المظالم، وحين يتوقف الانتماء عن كونه سبباً للخوف أو الحرمان. عندئذ فقط يستطيع المجتمع أن ينتقل من مجرد توقف الحرب إلى بناء حياة لا يحتاج فيها الناس إلى العنف لحماية حقوقهم أو إثبات وجودهم.


بقلم شيرين علوش

كاتبة ومترجمة – سوريا