ماذا يتغير في أهلية طبيب للعمل في مستشفى عام إذا تغيّر معتقده؟ تبقى معرفته الطبية وخبرته وقدرته على رعاية المرضى كما هي، ومع ذلك، قد يصبح انتماؤه الديني في نظر البعض سبباً للشك في استحقاقه الوظيفة أو توليه مسؤولية فيها، هنا تظهر مشكلة تتجاوز التعصب الشخصي إلى معنى المواطنة نفسه، فعندما تدخل العقيدة في تقدير الحقوق العامة، يصبح على الإنسان أن يثبت شيئاً إضافياً لا علاقة له بكفاءته أو سلوكه كي يُعامل على قدم المساواة مع غيره.
تبدأ هذه المشكلة أحياناً من سؤال يبدو عابراً، عن الدين أو الطائفة أو الأصل العائلي، وقد يكون السؤال تعبيراً عن الفضول أو الرغبة في التعارف، لكنه يأخذ معنى مختلفاً حين يصدر عمن يملك سلطة التوظيف أو تقديم الخدمة أو إنصاف صاحب شكوى، عندئذ يحق للشخص أن يتساءل عما ستفعله المؤسسة بإجابته، وهل ستبقى معاملته هي نفسها لو أعلن اعتقاداً آخر، والمشكلة ليست في معرفة اختلاف الناس، فهي تبدأ حين تتحول هذه المعرفة إلى وسيلة لترتيب استحقاقاتهم.
المواطنة، بهذا المعنى، علاقة بين الفرد والدولة تقوم على حقوق وواجبات مشتركة، ولا ينبغي أن تتفاوت قيمة هذه العلاقة تبعاً لدين المواطن أو درجة تدينه، فإذا كان القانون يطالبه بالامتثال لأحكامه، فلا يجوز أن يجعل حمايته أقل من حماية جاره بسبب اختلاف المعتقد، كما أن الحقوق الأساسية، ومنها حرية الضمير والمساواة أمام القانون، لا تتوقف أصلاً على امتلاك الجنسية، فهي تشمل أيضاً المقيم الذي يعيش تحت سلطة الدولة من دون أن يكون مواطناً فيها.
ولا تتطلب هذه المساواة اختفاء الدين من المجتمع، فالمعتقد مصدر معنى لكثير من الناس، ومنه يستمدون تصوراتهم عن المسؤولية والتضامن والعدل، ولهم أن يعبّروا عنه وأن يشاركوا في النقاش العام انطلاقاً منه، كما يحق لغيرهم المشاركة انطلاقاً من قناعات مختلفة، ويقع على المؤسسات العامة أن تضمن إمكان هذا الاختلاف، وألا تجعل الانتساب إلى عقيدة معينة شرطاً للثقة أو المشاركة، فحق المؤمن في إظهار معتقده وحق غير المؤمن في عدم اعتناق دين يستندان إلى حرية الضمير نفسها.
هذا الاتساع حاضر في المادة الثامنة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وفي تفسير لجنة حقوق الإنسان لها في التعليق العام رقم ٢٢، فالحماية تشمل المعتقدات الدينية وغير الدينية، وحق الإنسان في تغيير معتقده أو عدم اعتناق أي دين، وتحظر إكراهه على الاعتقاد، وتكمل المادة السادسة والعشرون هذا الأساس بإقرار المساواة أمام القانون والحماية من التمييز، ومنه التمييز بسبب الدين، وبذلك لا تكون حرية الضمير مجرد سماح للأفراد بالاختيار بين انتماءات تقرّها السلطة.
لكن المسافة بين النص القانوني والحياة اليومية قد تكون واسعة، فقد تعلن مؤسسة أنها لا تميز بين المواطنين، بينما يتردد موظفوها في قبول شخص من طائفة معينة، وقد يستطيع فرد تسجيل شكوى، ثم يكتشف أن الشكوى لا تؤخذ بالجدية نفسها التي تُعامل بها شكوى شخص أكثر نفوذاً أو أقرب إلى الجماعة الغالبة، لذلك لا يكفي إعلان المساواة، فهي تحتاج إلى معايير توظيف واضحة، وقرارات قابلة للطعن، وإجراءات تحاسب المسؤول عن التمييز، وإلى قدرة فعلية على طلب الإنصاف دون خوف من الانتقام.
وتظهر أهمية هذه الضمانات في المدرسة أيضاً، فالطفل الذي يختلف معتقد أسرته عن معتقد زملائه لا ينبغي أن يشعر بأنه ضيف على وطنه، أو أن يُطلب منه الدفاع عن انتمائه أمام الصف، ويمكن للتعليم أن يعرّف التلاميذ بتاريخ الأديان وتنوع المعتقدات، وأن يتيح لهم فهم الاختلاف دون ترتيب قيمة الأشخاص على أساسه، وحين يُسخر من طفل بسبب دينه، يكون واجب المدرسة حمايته ووقف الإساءة، لا مطالبته بإخفاء هويته لتجنب المتاعب، ويتعلم الأطفال معنى المواطنة من طريقة معاملة زميلهم بقدر ما يتعلمونه من الكتاب المدرسي.
وقد يُقال إن للمجتمع هوية دينية تاريخية ينبغي احترامها، وهذا لا يجيب وحده عن سؤال الحقوق، فحضور تقليد ديني في تاريخ بلد لا يمنح أتباعه ملكية حصرية للوطن، ويمكن الحفاظ على دور العبادة والمناسبات والذاكرة الثقافية دون الانتقاص من مواطنين لا يشتركون في ذلك التقليد، ويظهر التمييز عندما تتحول هوية الأكثرية إلى معيار لأهلية الآخرين، فيُطلب منهم باستمرار إثبات ولاء لا يُطلب من سواهم، أو يُعامل توليهم مسؤولية عامة بوصفه استثناء يحتاج إلى تبرير.
والأكثرية نفسها ليست جماعة متطابقة القناعات، ففي داخلها اختلافات في التفسير والممارسة ودرجة التدين، وعندما تحتكر السلطة تعريف الإيمان المقبول، قد تطال القيود أشخاصاً ينتمون إلى الدين السائد أيضاً، لأنهم يخالفون تفسيراً رسمياً أو يرفضون إظهار تدينهم بالصورة المطلوبة، لذلك تحمي حرية الضمير الفرد داخل جماعته بقدر ما تحمي الجماعة في علاقتها بغيرها، ولا يستقيم الدفاع عنها إذا اقتصر على المطالبة بحقوق طائفة مع تجاهل حق أفرادها في الاختلاف معها.
ويمتد هذا السؤال إلى شؤون الأسرة، حيث قد يجد الشخص نفسه خاضعاً لترتيبات مرتبطة بانتماء ديني مسجل لم يختره، وقد يرغب آخر في تنظيم زواجه وفق معتقده، وتحتاج معالجة هذا الاختلاف إلى النظر في رضا الأطراف والمساواة بينهم وحماية الأطفال، وفي إمكان اللجوء إلى مسار مدني يكفل الحقوق، فلا يكفي وصف ترتيب بأنه اختياري إذا كان رفضه يعرّض صاحبه للتهديد أو لفقدان حقوق أساسية، كما أن احترام هوية الجماعة لا يعفي من فحص أثر قواعدها في الأفراد الذين يعيشون داخلها.
ولا تصبح المساواة مضمونة بمجرد وصف الدولة بأنها علمانية، إذ ينبغي اختبار السياسات في أثرها الفعلي، فقد تقيّد قاعدة تبدو محايدة ممارسة أقلية دون ضرورة واضحة، بينما تُقبل ممارسة مشابهة للأكثرية باعتبارها جزءاً طبيعياً من الحياة العامة، والسؤال المفيد هنا هو ما إذا كانت القاعدة تحقق غرضاً مشروعاً، وتُطبق بإنصاف، وتتيح الاعتراض عليها، فالأسماء السياسية وحدها لا تخبرنا بما يواجهه المواطن عند باب مؤسسة عامة.
وفي المقابل، لا تجعل نسبة فعل إلى الدين ذلك الفعل محصناً من المساءلة، فحرية الاعتقاد تختلف عن حرية إظهاره بالممارسة، ويجيز العهد تقييد إظهار الدين أو المعتقد بقانون، عند الضرورة لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية، مع مراعاة التناسب وعدم التمييز، ويحول هذا التمييز دون استخدام حماية المجتمع ذريعة لفرض اعتقاد، ودون استخدام المعتقد ذريعة للاعتداء على الآخرين.
يمكن قياس المواطنة بأسئلة بسيطة، هل تُقبل شكوى المواطن بصرف النظر عن دينه؟ وهل تُقيّم كفاءته بالمعايير نفسها التي تُطبق على غيره؟ وهل يستطيع إعلان معتقده، أو الاحتفاظ به لنفسه، دون أن يخشى انتقاص حقوقه؟ تكشف الإجابات معنى المساواة في حياة الناس، فالوطن الذي يتسع لمواطنيه لا يحتاج إلى اتفاقهم على مسائل الإيمان، ويكفي أن تكون حقوقهم مصونة حين يختلفون، وألا يُطلب من أحدهم تقديم شهادة في معتقده حتى يحصل على ما يستحقه بصفته إنساناً ومواطناً.
بقلم شيرين علوش
كاتبة ومترجمة – سوريا
