لنتخيل تلميذاً يحفظ تعريف التبخر ويكتبه في الامتحان دون خطأ، ثم يُسأل لماذا تجف الملابس في يوم بارد، فلا يعرف كيف يصل بين الجملة التي حفظها وما يراه كل شتاء، لا تدل هذه اللحظة وحدها على ضعف قدرته، فقد تكشف أن طريقة تعليمه كافأته على استعادة التعريف ولم تطلب منه استخدامه، وبين المهارتين مسافة قد يخفيها دفتر مليء بالعلامات الجيدة.

نحتاج إلى الحفظ، فتعلم اللغة والحساب والتاريخ يتطلب معرفة يمكن استحضارها والبناء عليها، لكن المشكلة تبدأ حين تصبح إعادة الكلمات دليلاً كافياً على الفهم، وحين يُعامل السؤال الذي يتجاوز صياغة الكتاب بوصفه إضاعة للوقت، يتعلم الطفل عندئذ أن نجاحه يتوقف على معرفة الجواب المنتظر، وقد يزداد إتقاناً لهذه المهارة بينما تتراجع رغبته في السؤال عما لا يفهمه.

انتقد باولو فريري (Paulo Freire)، في كتابه «تعليم المقهورين»، ما سماه النموذج المصرفي للتعليم، حيث تُعامل المعرفة كما لو كانت وديعة يضعها المعلم لدى الطلاب، ويقتصر دورهم على تلقيها وحفظها، وتكمن أهمية هذا النقد في لفت الانتباه إلى العلاقة التي تنشأ داخل الصف، فمن يتكلم؟ ومن يُنتظر منه الصمت؟ وهل يشارك المتعلم في فهم المسألة أم يُطلب منه الاحتفاظ بنتيجتها فقط؟

لا يلغي الحوار حاجة الطفل إلى شرح مباشر، ولا يجعل خبرة المعلم أمراً يمكن الاستغناء عنه، فالتلميذ الذي يتعلم الكسور يحتاج إلى أمثلة وإرشاد وتصحيح، لكن المعلم يستطيع بعد الشرح أن يعرض حلين مختلفين ويسأل أيهما صحيح ولماذا، ويمكنه أن يطلب من الطلاب اكتشاف موضع الخطأ في حل جاهز، عندها تظهر طريقة التفكير، ويصبح الخطأ معلومة تساعد على التعليم، عوضاً عن أن يكون مجرد سبب لخصم علامة.

وقد تبدو الحصة صامتة ومنضبطة بينما يخفي هذا الصمت ارتباكاً واسعاً، فبعض الأطفال يتردد في السؤال خوفاً من الضحك، وبعضهم يظن أن الجميع فهم سواه، ولا يكفي أن يقول المعلم إن الأسئلة مسموحة إذا كانت استجابته لأول سؤال تحمل ضيقاً أو سخرية، فالطفل يتعلم من تلك الاستجابة مقدار الأمان الذي تمنحه له الحصة، وقد يتذكر الإحراج أطول مما يتذكر الإجابة.

وللامتحان دور حاسم في تشكيل هذه العلاقة بالمعرفة، فإذا طلب من الطلاب تكرار العبارات بحروفها، فسيتجه جهدهم إلى ضبط العبارة، حتى لو تحدث المنهج عن الإبداع والتفكير النقدي، أما إذا جمع التقويم بين المعلومات الأساسية وتطبيقها وتفسيرها، فإنه يمنح الفهم وزناً فعلياً، ويمكن في درس التاريخ، مثلاً، أن يُطلب تحديد تاريخ واقعة، ثم مقارنة روايتين عنها وبيان ما تتفقان عليه وما يحتاج إلى تحقق، بذلك يحتفظ التاريخ بدقته ويتجاوز حفظ توالي الأحداث.

ولهذا الاتجاه سند بحثي ضمن مجالات محددة، فقد جمعت دراسة لسكوت فريمان (Scott Freeman) وزملائه، نُشرت سنة 2014، نتائج 225 دراسة في التعليم الجامعي للعلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، ووجدت تحسناً في الأداء وانخفاضاً في الرسوب مع التعلم النشط مقارنة بالمحاضرة التقليدية، ولا تعني النتيجة أن كل نقاش أفضل من كل شرح، أو أنها تنطبق تلقائياً على جميع الأعمار، لكنها تؤيد أهمية مشاركة الطالب في معالجة المعرفة واختبارها.

ومن غير المنصف أن نطالب المعلم بتحقيق ذلك كله ثم نتركه أمام صف مكتظ ومنهج طويل ووقت ضيق، فالحصة التي تتسع لأربعين طالباً تفرض قيوداً تختلف عن حصة في مجموعة صغيرة، ويحتاج المعلم إلى تدريب عملي ووقت للتحضير ومعايير تقييم لا تختزل جودة عمله في عدد الصفحات المنجزة، كما يحتاج إلى إدارة تسمح له بالتوقف عند صعوبة حقيقية، دون اعتبار إبطاء الشرح تقصيراً في أداء المهمة.

ويستحق الطلاب الأقل حضوراً في النقاش اهتماماً خاصاً، فسرعة الإجابة لا تساوي دائماً عمق الفهم، وقد يحتاج طفل إلى وقت أطول لترتيب فكرته، أو إلى صياغة مكتوبة، أو إلى شرح بلغة أبسط، ويمكن منح الجميع دقيقة للتفكير قبل طلب الإجابة، أو مناقشة السؤال في مجموعات صغيرة قبل عرضه على الصف، فالمشاركة لا تتحقق بمجرد فتح الكلام لمن يرفع يده أولاً.

ويمتد أثر هذه الممارسات إلى ما وراء المدرسة، فالطفل الذي اعتاد السؤال عن الدليل يملك بداية أداة لفحص خبر متداول، ومن تعلّم مقارنة تفسيرين قد يصبح أقدر على ملاحظة التناقض، لكن التفكير النقدي لا يعني الشك في كل شيء أو رفض خبرة المختصين، فهو يتطلب معرفة متى نحتاج إلى مصدر موثوق، وكيف نميز الاعتراض المبني على حجة من الاعتراض الذي يكتفي بالرغبة في المخالفة.

يستطيع المعلم أن يحافظ على قواعد الصف، وأن يمنع المقاطعة والسخرية، وأن يصر على الدقة، وفي الوقت نفسه يقبل تصحيح طالب لمعلومة أخطأ فيها، ومثل هذه اللحظة تمنح الطفل درساً يصعب أن تؤديه فقرة نظرية، فالمعرفة لا تستمد صحتها من مكانة قائلها، والاعتراف بالخطأ لا يهدم احترامه، وقد تزداد الثقة بالمعلم حين يراه الطلاب مسؤولاً عن مراجعة ما يقول.

ليس المطلوب أن تنتهي كل حصة بنقاش مفتوح لا ضابط له، وإنما أن يعرف الطفل أن فهمه هو الغاية، وأن من حقه طلب التفسير دون خجل، وأن الإجابة الصحيحة تستحق أن يعرف طريق الوصول إليها، فالمدرسة التي تمنحه هذه المساحة تساعده على استخدام ما تعلمه حين يغيب المعلم والكتاب والامتحان، وحين تواجهه مسألة لم يحفظ أحد له جوابها.

بقلم شيرين علوش

كاتبة ومترجمة – سوريا