كلمة الرئيس السوري بشار الأسد بعد القسم الدستوريكلمة الرئيس السوري بشار الأسد بعد القسم الدستوري

تحدث الرئيس السوري، بشار الأسد في كلمة بعد أدائه القسم الدستوري اليوم، أمام شرائح من الشعب السوري، وحضور أعاء مجلس الشعب.

السيدات والسادة أعضاء مجلس الشعب، السادة الحضور، من عسكريي قواتنا الباسلة درع الوطن ومن الجرحى الأبطال، ومن عائلات الشهداء منبع البطولة.

السادة الحضور من شخصيات وطنية صمدت وعملت وبادرت ودافعت عن وطنها كل من موقعه وبطريقته وبحسب قدراته.

وأخص بالذكر معلمات ومعلمين قدموا أقصى الجهد والعطاء لأجيال من الطلاب كنت واحد من تلاميذهم، أقف اليوم أمامهم بكل إجلال واحترام.

السادة الحضور أيها الشعب العزيز، أيها الشعب الصامد، أحييكم تحية الوطن الراسخ في زمن السقوط، الشامخ في زمن التهافت والخنوع، تحية الشعب الذي حمى وطنه بدمه وحمله أمانة في القلب والروح، فكان على قدر مسؤوليته التاريخية، حين صان الأمانة، وحفظ العهد.

وجسد الانتماء في أسمى معانيه والوحدة الوطنية في أبهى صورها، وأثبت للعالم من جديد، أن قدر سوريا أن تمنح التاريخ ملاحم يقرأ صفحاتها كل من يريد أن يتزود بدروس الشرف والعزة والكرامة والحرية الحقيقية.

لقد برهنتم بوعيكم وانتمائكم الوطني خلال الحرب، أن الشعوب الحية التي تعرف طريقها إلى الحرية لا تتعب في سبيل حريتها مهما طال الطريق وصعب، ولا تهون عزيمتها أو تفتر همتها في الدفاع عن حقوقها، مهما أعد المستعمرون من عدة التوحش والترهيب وعديد المرتزقة والمأجورين.

وكانت وقفتكم بالنسبة لكل عدو صدمة ولكل خائن عبرة، فقد أرادوها فوضى تحرق وطننا، فكان أن خرج من رحم انتظامكم للدفاع عن الوطن، ترياقاً يبطل ذيفانهم ويقوض أهدافهم.

أرادوها تقسيماً استكملاً لما قسمه أسلافهم قبل مئة عام، فلجمتم أوهامهم، وأطلقتم بوحدتكم الوطنية في الوطن والمغترب، رصاصة الرحمة على مشاريع فتنتهم الطائفية والعرقية، وأثبتم مرة أخرى وحدة معركة الدستور والوطن، فثبتم الدستور كأولوية غير خاضعة للنقاش أو للمساوامات، لأنه عنوان الوطن، ولأنه قرار الشعب.

وبالرغم من قسوة الظروف، إلا أن الإصرار على التفاعل الشعبي الكبير مع تلك المناسبة، على امتداد الأسابيع التي سبقت التصويت كان سيد الموقف، ذلك التفاعل في المدن والبلدات والقرى، لدى الأفراد والعائلات والعشائر التي تفخر بانتمائها لوطنها، والتي نفخر بانتمائنا إليها، لا يمكن وصفه إلا بحالة سمو وطني، ولا يمكن تفسيره إلا بكونه وعي وطنياً عميقاً لمعاني الاستحقاق ولمصيريته بالنسبة لوجود الوطن، ومستقبله واستقراره.

كل ذلك لم يكن جديداً على شعبنا، فهي ليست المرة الأولى التي يظهر رقيه الوطني، في مراحل مفصلية، لكن تكرار الأفعال لا يعني تكرار النتائج، لأن النتائج تتبدل بحسب الظروف.

ففي المراحل الأولى كان رهان الأعداء على خوفنا من الإرهاب وياسنا من التحرير، أما اليوم هو على تحويل المواطن السوري، إلى مرتزق يبيع وطنه وقيمه، مقابل حفنة مشروطة من الدولارات، أو لقمة عيش مغمسة بالذل، يتصدقون بها عليه.

رهان كان على الزمن، فهو كفيل بتحقيق الأهداف المخططة ولو بعد حينن لكن النتائج أتت معاكسة للقواعد التي افترضوها، وساروا بناء عليها.

وما حصل شكل هزة لا يمكن تجاهلها، لأن حساباتهم في كل مفصل تأتي خاطئة، فالسوريون داخل وطنهم يزدادون تحدياً وصلابة، أما الذين هجروا وخطط لهم أن يكونوا ورقة ضد وطنهم، فقد تحولوا إلى رصيد له في الخارج يقدمون، أنفسهم له يقدمون في أوقات الحاجة.

لقد أثبتت هذه الظاهرة قوة الشرعية الشعبية، التي يمنحها الشعب إلى الدولة، أي شعب لأية دولة، وسفهت تصريحات المسؤولين الغربيين، حول شرعية الدولة والدستور والوطن، وتمكنت من تحويل المناسبة من إجراء دستوري، إلى عمل سياسي، زعزع أخطر الطروحات التي دأب عليها أعدائنا منذ الأسابيع الأولى للحرب، حينما حولوا اقناعنا، بتعليق الدستور القائم في ذلك الوقت، من أجل خلق فراغ يؤدي إلى الفوضى، تارة عبر بعض الخونة من السوريين، وأنا التقيت بالبعض من هؤلاء في ذلك الوقت وسمعت منه، وطوراً عبر رسائل نقلها لنا وسطاء مختلفون بأقنية متعددة.

هذه الطروحات التي تستمر إلى اليوم، والتي يتم العمل عليها عبر بعض العملاء المعينين من قبلهم، بوساطة تركية أو بواجهة تركية،
تهدف في المحصلة إلى الوصول، إلى دستور يضع سوريا تحت رحمة القوى الأجنبية، ويحول شعبها إلى مجموعة من العبيد والمطايا، كل تلك المحاولات قد تبخرت بفعل رسالة شعبية واحدة مضمونها، إذا تمكنت من تجاوز كل العقبات السياسية، فلن تتمكن من تجاوز قرار الشعب، ولا القفز فوق إرادتته لأنها الأعلى.

لقد حققنا معاُ المعادلة الوطنية، فنحن شعب غني بتنوعه لكنه متجانس بقوامه، حر متنوع بأفكاره وتوجهاته لكنه متماسكه بينانه، رفيق حتى بخصومه، لكنه عنيد بوطنيته، متحد بعنفوانه، شرس في الدفاع عن كرامته، هذا الوعي الشعبي الوطني أيها السادة هو حصننا، هو الذي يزيل الغشاوة عن العيون ، عندما ننظر إلى مستقبلنا، هو المعيار الذي نقيس به مدى قوتنا وقدرتنا على مواجهة وهزيمة كل الصعاب.

به نميز ما بين الثواتب كالوطن والشعب، ومابين المتغيرات كالأشخاص والظروف، به نميز بين المصطلحات الوهمية والحقيقية، بين العمالة والمعارضة، به نميز بين الثورة والإرهاب وبين الخيانة والوطنية، بين إصلاح الداخل وتسليم الوطن للخارج، بين النزاع والعدوان، بين الحرب الأهلية والحرب والوجودية دفاع عن الوطن، فلا مناطق رمادية بين تلك المفاهيم، بل خطوط شديدة الوضوح دقيقة الحدود، ولا يخلط بينها إلا قصير نظر أو قاصر رؤية.

هذه المقدرة على التمييز بين الوهم والحقيقة، على عزل السم عن العسل، هي التي مكنتنا من تحويل حدث دستوري إلى عمل سياسي وطني استراتيجي، حمل ونشر رسائل كبرى عن الاجماع الوطني والتجانس الاجتماعي، والتمسك بسيادتنا وحقوقنا، وهي التي أعطتنا القدرة على فهم الخطط المعادية، وجعلتنا أكثر قدرة في مواجهتها، وتخفيف أضرارها، وهذه القدرات لا تأتي من فراغ أو عدم، بل تأتي من ثوابت وتستند إلى مسلمات، والمسلمات هي بدائه متفق عليها بين أفراد الشعب وهي البديهيات باللغة المتادولة، وهي المرجعيات التي ننطلطق منها في الحكم على لاأمور، وغيابها يجعل تلك الأحكام خاضعة للأهواء الشخصية، ولمقدار فهم كل شخص.