ورقة تحليلية من المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية
مقدمة
لسنوات ظلت ليبيا ودول جوارها في الجنوب والغرب عصية على محاولات الاختراق التطبيعي مع إسرائيل، لكن يبدو أن ما يجري من تغيرات في سياسات العديد من دول الجوار المباشر لليبيا مؤخرا يسلك طريقا آخر، إذ تتطور الأحداث في المنطقة بسرعة باتجاه ترتيب لقاءات لمجموعة من الأنظمة الحاكمة مع النظام الاسرائيلي والسعي للتطبيع الكامل بما يفرض أمرا واقعاً لا يمكن تجاهله.
فبعد ظروف مقتل الرئيس التشادي السابق إدريس ديبي والتي تسببت في وصول نجله محمد والملقب بـ(كاكا) للسلطة مباشرة ليحلّ محل والده، التي كانت حادثة وفاته بعد يوم واحد من فوزه في جولة الانتخابات الرئاسية السادسة تسارعت خطوات إسرائيل نحو التطبيع مع النظام الجديد، في بلد كانت تعد ضمن البلدان الطامحة في الانضمام لجامعة الدول العربية يوما ما.
تزامن ذلك أيضا مع التطور الخطير في ملف التطبيع السوداني مع إسرائيل حيث تحولت الأنباء غير المؤكدة إلى دائرة التأكيد بزيارة وزير الخارجية الإسرائيلي للخرطوم في الثاني من فبراير 2022، في تطور خطير لتنضم دولتان من جوار ليبيا لعمليات تطبيع واسعة النطاق وفي ظل أنظمة غير مستقرة في مراحل تحول وعلى غير رغبة الجماهير الواسعة لشعبيهما، مما يثير القلق حول إمكانية حدوث ذلك في ليبيا أو تداعيات عمليات التطبيع تلك على ليبيا وبالذات من الناحية العسكرية والأمنية حيث تروج إسرائيل لقدراتها الكبيرة على تزويد هذه البلدان وجيوشها وأجهزتها الأمنية بتقنيات عسكرية وأمنية تتركز أجزاء كبيرة منها في تعزيز قدرة هذه الأجهزة على مواجهة المعارضة والاحتجاجات في الداخل.
أما عن الجارة الجنوبية الأخرى وهي دولة النيجر فمنذ سنوات، يتكهن المسؤولون الحكوميون ووسائل الإعلام الإسرائيلية بأن تقوم النيجر بتطبيع العلاقات مع “إسرائيل”، ويستشهدون في ذلك فيما عرضه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في شهر فبراير 2019، خلال اجتماع له مع قادة الجالية اليهودية في الولايات المتحدة حيث أشار لخريطة للقارة الأفريقية، صنّف فيها دول القارة إلى أربع فئات بناء على علاقاتها مع “إسرائيل”. كانت دولة النيجر من فئة “العلاقات المحتملة”.
ولم تخفي صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية أن الكيان الاسرائيلي لايزال يحاول من خلال اتصالات سرية مع النيجر، التوصل إلى اتفاق تطبيع علاقات بينهما، وهو يعي الأحمال التي تتقل كاهل الدولة النيجرية والحالة المعيشة الصعبة لسكانها البالغ عددهم 25 مليون نسمة تقريباً، وما يعانونه من تبعات ” الإرهاب”، وسوء الأوضاع الأمنية، وفي مارس 2021 صرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي أن أربعة دول تتجه نحو تطبيع علاقاتها مع إسرائيل بينها النيجر مردفا أنه “كان هناك انتخابات في النيجر فاز بها مرشح موال لأمريكا وهذا يزيد من فرص تطبيع العلاقات”
وعن الجارة الأخرى تونس فإن مؤشرات أداء الرئيس التونسي قيس سعيد لتعطي انطباعاً عن شخصية متقلبة وغامضة، لا يتوقع منها معارضوها أن تصمد في وجه موجة التطبيع، خصوصاً بعد اتهامات المعارضة للرئيس التونسي قيس سعيد بأنه تراجع عن شعار “التطبيع خيانة” الذي رفعه سابقاً، ووصفته بأنه يسعى لفتح جسور العلاقات مع الكيان الإسرائيلي، وذلك بعد تسارعه الغير مفهوم للتوقيع على بروتوكول دولي مثير للجدل يتعلق بحماية البيئة البحرية والمناطق الساحلية في البحر المتوسط جنبا لجنب مع الدولة الإسرائيلية. فيما غابت عن التوقيع دول أخرى مثل ليبيا والجزائر ومصر وإيطاليا وتركيا واليونان والبوسنة والهرسك وقبرص. واعتبروه أنه مؤشر على القابلية للاستجابة لمستوى الضغوط التي يتعرض لها نظامه في سبيل بقاءه أكثر فترة ممكنة في السلطة.
أما الجارة الشرقية مصر فإن مستوى علاقاتها وارتباطها مع الكيان الإسرائيلي في المرحلة الحالية أكثر من استراتيجي إذ تصف إسرائيل الجنرال السيسي بالكنز الاستراتيجي والتنسيق الأمني والعسكري بين الجانبين لا يختلف عليه اثنان.
لنصل في النهاية إلى صورة تعبر عن حزام حدودي مطبع، تمثله دول مصر و تشاد والسودان ودول تصنف أنها في الطريق للتطبيع مثل النيجر وتونس.
تحاول هذه الورقة تحليل تبعات هذا الطوق التطبيعي الجديد على ليبيا وبالذات من الناحية الأمنية والعسكرية واحتمالية انخراط قيادات عسكرية وأمنية ليبية في عملية التطبيع تلك في مقابل بعض التطمينات حول مستقبلها السياسي، وذلك في ضوء تعثر المرحلة الانتقالية الحالية والاحتمالية الكبيرة القائمة لتأجيل الانتخابات لأجل غير مسمى رغم المساعي الأممية والمحلية للوصول لنهاية للمرحلة الانتقالية وإشكالياتها الحالية.
الطوق التطبيعي والوسطاء الإقليميون
لا يمكن فصل التطورات الأخيرة عما يجري من تسريع وتيرة التطبيع الذي تتبناه بعض القوى الإقليمية وبالذات الإمارات التي تعتبره أحد أهم عناصر ريادتها للمنطقة، حيث تقود جهود إقناع الجميع بأهمية التطبيع مع إسرائيل عبر صفقة القرن وتبعاتها التي ترسخها منذ سنوات بشراكة استراتيجية دشنتها مع إسرائيل على كافة المستويات، الطوق التطبيعي هذا لا يعمل من تلقاء نفسه فهناك وسطاء إقليميون يتلاعبون بالجنرالات في المنطقة ومن ضمن من يتم التلاعب بهم جنرالات الشرق الليبي، إذ تشير تقارير إلى أنه تم دفع مبلغ مالي كبير لتحسين صورة الجنرال خليفة حفتر في الغرب من قبل الإمارات. أيضا فإن الدعم الدولي للحروب الفاشلة التي خاضها حفتر ضد الحكومة الليبية كانت بدعم مباشر من الإمارات التي كانت ومازالت أكبر حلفائه الإقليميين دعما له، فرغم القرارات الأممية بوقف إطلاق النار ومعاقبة مخترقيها كشفت تقارير خرق الإمارات لهذه القرارات بالتحايل عبر شركات في دولة ثالثة، كما يشير تقرير أعده فريق خبراء لجنة العقوبات بمجلس الأمن الدولي، حول فعاليات الإمارات العربية المتحدة ودعمها لقوات الجنرال الانقلابي خليفة حفتر في ليبيا، في إشارة إلى قيام شركة ”Fulcrum Holding”، مقرها في دبي، بتأسيس شركة فرعية لها في الأردن، بهدف تقديم دعم لقوات حفتر، الشركة أنفقت أكثر من 18 مليون دولار أمريكي لشراء 6 مروحيات وزورقين حربيين، بهدف مداهمة السفن التي تبحر قبالة سواحل ليبيا، كما أنهما أرسلتا فريقا من المرتزقة الغربيين، مكونا من 20 شخصا، إلى بنغازي، بهدف مساعدة مليشيا خليفة حفتر، ضد القوات الحكومية.
وبالرغم من حداثة العلاقات بين الإمارات وتشاد إذ تعود العلاقات الرسمية لخمسة أعوام فقط، حين تم افتتاح سفارة الإمارات لدى جمهورية تشاد في الربع الأخير من العام 2017، وافتتاح سفارة جمهورية تشاد في الإمارات خلال العام 2018، إلا أن العلاقات الثنائية التشادية الإماراتية شهدت تطوراً كبيراً وقفزة نوعية متمثلة في عدة زيارات للرئيس الراحل إدريس ديبي إلى الإمارات ولقاءاته مع محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة حينها، بالإضافة إلى حضور الرئيس التشادي للكثير من المؤتمرات التي أقيمت في الإمارات وفقا لوزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية ، لتتطور العلاقات لاحقا بين محمد بن زايد ومحمد إدريس ديبي بشكل متزامن مع إطلاق الأول لصفقة القرن والترويج لها إقليميا ودوليا تحت اسم اتفاقات السلام الإبراهيمي.
اللافت للنظر في التطبيع التشادي أنه وبعد استتباب الأمن للإبن بشكل لافت رغم حالة الصدمة التي أحدثتها حادثة الاغتيال في العائلة ورجالات الدولة، نجد أنه وفي أقل من عامين من توليه الحكم يحط في دولة الكيان الإسرائيلي ليعلن من هناك وفي لقائه مع نتنياهو عن فتح دولة تشاد لسفارة لها في تل أبيب، وعن تعميق العلاقات المشتركة ، متجاوزاً بذلك لكثير من التحديات التي تواجهه مع جماعات المعارضة التشادية المختلفة ومزاج الشارع التشادي المسلم الرافض لخطوات التطبيع التي بدأها والده في 2018 عندما قام حينها بزيارة لإسرائيل وصفت بأنها تاريخية ، حيث أكد في تصريحات صحفية حينها “أنها زيارة تاريخية لدولة مسلمة تجاور ليبيا والسودان” ، في إشارة لأهمية ما تعنيه دولة ليبيا لاستراتيجية دولته.
وتأتي هذه الزيارة بعد أقل من شهر منذ أن أعلنت الحكومة التشادية، في 5 يناير الماضي عن تمكنها من إحباط محاولة انقلابية فاشلة، قامت بها مجموعة من الضباط العسكريين، كانت تستهدف زعزعة الاستقرار وتقويض النظام الدستوري في البلاد، رغم تشكيك بعض أوساط المعارضة في رواية الحكومة، ووصفوا هذا الإعلان بأنه مسعى للتوظيف الداخلي والخارجي.

واللافت في زيارة محمد كاكا ما بدا أنه علاقة وثيقة برئيس الموساد الإسرائيلي، حيث إنه على غير العادة قام رئيس الموساد “بارنيع ” باستقبال الرئيس محمد ديبي لدى وصوله شخصياً، وهو ما أشارت إليه الصحف الإسرائيلية، وعكس العمل الدؤوب الذي تمكن به الموساد من التغلغل في الدول الإفريقية، وتطلعها إلى أن يؤدي الاختراق إلى ما يعرف بمفهوم “تأثير الدومينو” في جر باقي الدول الإفريقية للتطبيع، وهو اتضح أثره سريعاً بالإعلان عن وصول مسؤولين إسرائيليين إلى دولة السودان.
الأمر أيضا يرتبط بالدور الأمريكي المتصاعد في ليبيا ودول جوارها سواء عبر الأفريكوم أو المنتدى الأمريكي الافريقي الذي انعقد منتصف ديسمبر الماضي في واشنطن وغيرها من الآليات فرغم الانتقادات لقرار إدارة بايدن بدعوة ديبي لحضور القمة الأمريكية الأفريقية، والتي انعقدت على مدى ثلاثة أيام في ديسمبر الماضي، من قبل الخبراء الإقليميين والمدافعين عن حقوق الإنسان حيث تورط بقتل أكثر من 200 شخص واعتقال أكثر من 2000 آخرين، على الرغم من كل هذا، فقد تمت دعوته إلى واشنطن.
ويثير هذا شكوكا حول دور إسرائيلي إماراتي ضمن خطط تحسين صورة الجنرالات واستغلالهم ضمن صفقة القرن، وقد أظهر اللقاء اهتمام أمريكي واضح بمتطلبات الرئيس التشادي واستعداد الأخير لإظهار التعاون التام معهم، ويسهل الربط بين هذا الدور وقيامه بافتتاح سفارة بلاده بعد أقل من أسبوعين من القمة، وبالتالي قد يكون حمل معه تسهيل فتح بوابة العبور للحليف الإسرائيلي مقابل ضمانات ووعود أمريكية رجع بها ديبي لدولته ونظامه.
وإذا علمنا حجم التنسيق والتوافق بين عسكر السودان والقيادات السياسية في الإمارات وما يجري بينهما من مقايضات واتفاقات في كافة الملفات، فليس غريباً أن يتزامن يوم افتتاح السفارة التشادية في إسرائيل مع الإعلان عن زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين للسودان، حيث اجتمعت وزارة الخارجية السودانية في الخرطوم يوم الخميس بتاريخ الثاني من شهر فبراير مع وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين، وأعلنت فيه بشكل رسمي وعلني أن المباحثات السودانية الإسرائيلية توصلت إلى “اتفاق على المضي في سبيل تطبيع علاقات البلدين”. فيما أعلن كوهين عقب اللقاء أن السودان وإسرائيل سيوقعان على اتفاق تطبيع العلاقات بينهما خلال العام الجاري يستند إلى مبدأ “السلام مقابل السلام”، وقال كوهين بعد اللقاء “نعود من الخرطوم بنعم بعدد ثلاث مرات، مرة للسلام ومرة للمفاوضات ومرة للاعتراف بإسرائيل”، موضحاً أن اتفاق السلام مع السودان سيوقع هذا العام. وأشار إلى أن تل أبيب قدمت مسودة اتفاق السلام للسودان وسيتم توقيعه بعد تشكيل الحكومة المدنية هناك، ورغم تشكيك تقارير في هشاشة التطبيع مع السودان إلا أنه يعد اختراقا قويا وتحولا كبيرا في الموقف السوداني. واللافت في الأمر أن هذه هي المرة الأولى التي تعترف فيها الخرطوم بوجود زيارة لمسؤول إسرائيلي رفيع، رغم تكرار الزيارات المتبادلة بين مسؤولين من البلدين في السنوات الماضية، مما يؤكد ويعكس السعي الحثيث، وقدرة الموساد لاختراق المنظومات الحاكمة.
ولا يخفى على أحد دور بعض جنرالات السودان في تهريب الأسلحة والميليشيات والمهاجرين غير الشرعيين إلى الداخل الليبي حيث تعتبر المناطق الحدودية مع السودان أحد أهم مصادر تهديد الأمن القومي الليبي من عدة نواحي إذ تؤثر هذه التدخلات على قضية توازن القوى والأمن المجتمعي وصولاً إلى حالة الهجرة العكسية إلى الشمال جراء عدم الاستقرار وانعكاساتها، والتي للأسف لم يعي الساسة في ليبيا شرقاً وغرباً مدى الأثر الذي يتولد عن حصول “تغيير ديموغرافي” والذي له شواهده بدت واضحة وجلية في الفترة الأخيرة بحثا عن الأمن والاستقرار المادي والاقتصادي بعيدا عن صراعات ميليشيات شركات الأمن الخاصة والمرتزقة والمهاجرين غير الشرعيين.
وأكدت بعض الدراسات توظيف الموساد لبرامج بيجاسوس للتأثير على الانتخابات الإفريقية، كما تبين في كل من بوتسوانا سنة 2014، وغانا في 2016 و2020، ومالاوي سنة 2020، إلى جانب دول أخرى مثل زيمبابوي وزامبيا والسنغال وأنغولا والنيجر، بل وتستخدم “إسرائيل” مساعداتها خصوصاً في مجال التكنولوجيا الزراعية للتأثير على القرارات الإفريقية ، وهو أمر تروج له إسرائيل بشدة في إطار علاقتها مع دول أفريقيا جنوب الصحراء حيث تعاني من أزمات غذائية شديدة وتعرض عليها تعاونا لا يسهل رفضه في المجال الزراعي، في ظل غياب عروض من مشاريع إقليمية منافسة أو حلفاء من العالمين العربي والإسلامي.
الطوق التطبيعي والسياق الانتقالي أية فوائد عسكرية وأمنية؟
تختار إسرائيل وأجهزتها الأمنية والاستخباراتية جيدا الأنظمة التي تعاني من انفصال تام عن الشارع، لتعرض عليها وسائل لحمايتها في مواجهة أية تظاهرات واحتجاجات ومساعدتها في كسب الشرعية الدولية باعتبار إسرائيل بوابة واشنطن التي يجب أن يمر عبرها كل نظام سياسي هش، ففي الوقت الذي كان الشارع يغلي ضد الرئيس التشادي السابق إدريس ديبي كان قراره زيارة إسرائيل في 25 نوفمبر من العام 2018 محل استنكار لعشرات الجمعيات الأهلية والأحزاب السياسية المعارضة فيما وصفها نتنياهو حينها بالتاريخية. لا يختلف الأمر كثيرا مع نجل ديبي فبينما يروج لاستتباب الأمر تخرج عشرات التظاهرات المناهضة له ولتحركاته الداخلية والخارجية ولا يزال نظامه هشا.
الوضع ذاته ينطبق أيضا بالنسبة لرئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان والذي روج هو وبعض الساسة السودانيون أن التطبيع مع إسرائيل هو المقابل الواقعي لإزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ومحاولة التفاوض على إعادة جدولة ديونها، فيما أن الاقتصاد السوداني واصل تدهوره بشدة منذ ذلك اللقاء المشئوم في أوغندا بين البرهان والذي ظل سريا إلى أن احتفى به نتنياهو موضحا أنهما اتفقا على إطلاق تعاون سيؤدي إلى تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل. وذكر نتنياهو حينها أن البرهان يريد مساعدة بلاده في الدخول في مرحلة تطوير وتحديث عبر “إخراجها من العزلة ووضعها على خريطة العالم”، على حد تعبيره، فيما برر البرهان الزيارة بأنها لحفظ أمن السودان وتحقيق مصالح الشعب . لكن مثل هذه الخطوة عمقت الشرخ بين البرهان وشركائه المدنيين بحكومة حمدوك التي أفادت أنه لم يكن لديها علم بالزيارة، فيما قادت إلى نقد واسع للحكومة ولمجلس السيادة الانتقالي من قبل الشارع السوداني الثائر وزاد هذا من الانفصام بين السلطة والشارع وعزز عدم الاستقرار السياسي والانقسامات بشدة.
وكما هو الوضع في تونس أيضا إذ تستغل إسرائيل وحلفائها الضائقة المالية والاقتصادية لنظام قيس سعيد الشعبوي الذي جاء بشعارات داعمة للقضية الفلسطينية ورافضة للتطبيع ثم هو يجلس مع الإسرائيليين في أطر جماعية وكأن شيئا لم يكن، إذن نحن بصدد أنظمة سياسية تبحث عن الشرعية الدولية بينما فقدتها محليا ولا يبقيها سوى ولاء الأجهزة الأمنية والعسكرية.
وفي السياق الانتقالي الليبي الحالي، فإن ما شهدناه من تطور سريع في عملية التطبيع الإقليمي مع إسرائيل، قد يصبح طريقا نحو ابتزاز الليبيين، فقد تكون اللقاءات الأخيرة المكثفة لرئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي بالمسؤولين الأمريكيين تحمل هي الأخرى مضامين ابتزاز أمريكي بالانفتاح على الحليف الإسرائيلي، كشرط أولي لإنهاء الانقسام وتمرير حل أممي للأزمة وتمديد شرعية المؤسسات الانتقالية لحين التوافق على الانتخابات وقاعدتها الدستورية.

حيث طرح رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، على الرئيس الأمريكي جو بايدن، سبل دعم تحقيق الاستقرار في ليبيا، وهو ما لا يمكن أن يمر دون تضمين بعض المتطلبات التي تسعى لها الإدارة الأمريكية. إلا أننا نرى صعوبة في تقبل توجه أي مسؤول ليبي في اتجاه التطبيع شعبيا نظراً لما يمكن أن نسميه خصوصية ليبية ترتبط بثقافة عموم الشعب الليبي. ولعل متطلب الحالة الأمنية الهشة للأنظمة التي تحكم هذه الدول والتي يقدر البعض أنها بامتياز شغل مخابراتي يُقَعِّدْ الدول إلى المستوى المطلوب الذي يسمح بطلب التدخل والمساعدة، هو أحد الأسباب الحثيثة نحو التطبيع بغية الحصول على الباقة الإسرائيلية التي تتضمن ضمان الرضا التام من القطب الأمريكي والاستفادة من الإمكانيات التي تعد بها إسرائيل وامريكا في مجالات الزراعة والتنمية المجتمعية والاتصالات ونقل التكنولوجيا والرعاية الصحية، وإدخال التقنية الأمنية والعسكرية التي تسمح بتأمين إضافي لتلك الأنظمة لإطالة عمرها.
أي أن التطبيع لم يحقق الاستقرار الذي جرى الترويج له في كافة بلدان المنطقة بل عزز الفجوة بين الأنظمة السياسية الحاكمة وشعوبها في كلا من مصر والسودان وتشاد وتونس والنيجر، وكذلك فإن الأوضاع في الأراضي الفلسطينية ازدادت توترا منذ إطلاق صفقة القرن سواء بتزايد عمليات الدهس أو الذبح أو حتى التوسع الاستيطاني واستمرت الحروب الخاطفة وأصبحت أكثر ضراوة، بل إن جنوب السودان لم يذق للاستقرار طعما منذ انفصاله والذي كان لإسرائيل أياد فيه وأياد في تمويل وتسليح الأطراف المتنازعة بعد الانفصال أي أن التطبيع لم يجلب لتلك البلدان أي استقرار وإن كان قد ضمن استقرارا هشا للأنظمة السياسية الحاكمة، كان يمكن تحقيقه وأكثر من دون هذا التطبيع عبر التوافقات السياسية المحلية وبخطط تنموية وعملية سياسية واضحة أو مراعاة الشارع الداخلي وما يطرحه من مطالبات.
التداعيات الأمنية والعسكرية على ليبيا
تشكل عمليات التوسع في التطبيع الإقليمي لدول جوار ليبيا مع إسرائيل تحديا أمنيا وسياسيا وعسكريا من عدة نواح، فمن الناحية السياسية قد يهز هذا المعتقدات السائدة لدى عموم الليبيين بعدالة القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني وقضية عادلة دينيا وسياسيا، عبر نزوع البعض للترويج لسياسات الأمر الواقع باعتبار أنه لا استقرار لليبيا دون علاقات قوية مع واشنطن وأن هذه العلاقات لن تمر إلا عبر إسرائيل، التي تزداد قوتها ونفوذها في دول أكثر قوة من ليبيا وبالتالي تتزايد منطقية دعوات التطبيع.
من الناحية الأمنية والعسكرية فإن قيام عدة دول بالتنسيق الأمني والعسكري الواسع مع إسرائيل يضع من بالسلطة في ليبيا أمام تحدي وسباق تسلح لإثبات قدرته على التفوق على التقنيات الإسرائيلية المصدرة لتلك البلدان والتي تشكل تهديدا مباشرا لليبيا في حال ما دخلت صراعا مع تلك البلدان، والمشكلة الأخرى أن الأمر في تشاد والنيجر مرتبط بامتدادات قبلية ومجموعات مسلحة عابرة للحدود في دول شديدة الهشاشة، في حال سيطرتها على تلك الأسلحة المصدرة من قبل إسرائيل فإن مواجهتها تتطلب تقنيات أعلى وقدرات عسكرية وأمنية أكبر وإلا فإنها ستصبح مضطرة للتواصل مع إسرائيل أو بحاجة لأدوات للضغط عليها لضمان عدم استخدام أسلحتها ضد ليبيا وهو أمر لا يتوافر لدى الحكومات الليبية الحالية في الشرق أو الغرب.
أيضا فإن تغلغل شركات الأمن الخاصة سواء الروسية أو الأمريكية والإماراتية في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، يشكل خطرا مباشرا على دولة نفطية كبيرة بحجم ليبيا، تغيب عنها المؤسسية تماما وتواجه صراعا داخليا غير محسوم على السلطة والثروة وتستعين بعض أطراف العملية السياسية في الداخل بالمليشيات والمرتزقة وشركات الأمن الخاص سواء في الحرب أو في تأمين الحقول النفطية والمشروعات المرتبطة بها مما يزيد من سطوة تلك المجموعات والشركات وبالتالي الدول التي تقوم بتسليحها، فإذا ما دخلت إسرائيل على خط تسليح تلك المجموعات فإننا نصبح إزاء كارثة أمنية كبرى تهدد بانفصال حقيقي للجنوب أو تحوله لمستنقع أمني كبير يصعب على أية حكومة مركزية ليبية أن تتجاوزه، خاصة في ضوء العلاقات الاستراتيجية بين إسرائيل وفرنسا صاحبة النفوذ الأكبر في تلك البلدان وبالذات في جنوب وغرب ليبيا.
كما أن الحالة السياسية غير المستقرة وحالة الانسداد السياسي الحالية تسمح للساسة أن يكونوا عرضة للابتزاز والضغط من اللوبي الصهيوني سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة باعتبارها ذوي التأثير الأكبر في الشأن الليبي للشروع في خطوات تطبيع مع الدولة الإسرائيلية، باعتبار أن من سيهرول للتطبيع معهم سيكون من ذوي الحظوظ الأوفر للسيطرة على السلطة والاستقرار فيها
وإذا ما تابعنا حركة اليهود من أصول ليبية وخطواتهم وتغلغلهم في بعض مؤسسات الدولة وحديثهم عن محاولات استرجاع ممتلكاتهم السابقة، نجد أنها تعبر عن الرغبة والأمل في التمهيد لتقبل وجودهم والمشاركة في صناعة القرار في الدولة الليبية، إذ تكثفت تلك الدعوات منذ الانقسام بين الشرق والغرب ففي يوليو 2017 استضافت جزيرة رودس اليونانية، ملتقى حضرته شخصيات ليبية وإسرائيلية يهدف حسب المنظمين، إلى المصالحة والحوار بين الدولة الليبية ويهود ليبيا واسترجاع ممتلكاتهم الفردية في ليبيا وتعويضهم، زاعمين أن بإمكانهم مساعدة ليبيا من خلال التواصل مع المجتمع الدولي وإنشاء استثمارات مختلفة داخل ليبيا.
ثم إن الحزام الحدودي الجنوبي الهش أصبح متاحاً جداً الآن بشكل أسهل من أي وقت سابق لتغلغل الموساد للأراضي الليبية، واستغلال الحالة والظروف المعيشية وحالة الإحباط السائدة من توالي سوء الأداء للحكومات الليبية المتعاقبة، مع وجود الأرضية بتوظيف بعض المفاتيح في الأقليات وبعض القبائل للوصول للمبتغى.
لذلك فإن ناقوس الخطر يدق بقوة من أجل الانتباه لتسارع الأحداث واختلاط العوامل المحلية والإقليمية والدولية لرسم صورة جديدة لخارطة القوى في أفريقيا جنوب الصحراء، وما يمكن أن يحدثه هذا الطوق الحدودي داخلياً.
وليست هذه تخوفات عشوائية ففي السابع من نوفمبر 2021، ذكرت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، عن أن صدام حفتر، نجل الجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر، حطّ في مطار بن جوريون في اللد المحتلة، قادمًا من دبي في طائرة فارهة مخصصة لنقل أفراد عائلة حفتر ومساعديه، وكان هدف الزيارة بحسب الصحيفة، “الحصول على دعم عسكري ودبلوماسي من إسرائيل، مقابل تعهّد بإقامة علاقات دبلوماسية معها” في حال تشكيل حكومة مصالحة، واستعادة الوحدة الوطنية، بعد الانتخابات الرئاسية التي كان من المحتمل أن تجرى في الرابع والعشرين من ديسمبر 2021، ووفق ما نقلت “هآرتس”، فإن صدام حفتر يحظى بـ”مساعدة شركات علاقات عامة ومستشارين استراتيجيين من فرنسا والإمارات، كما يعمل موظفون ممثلون لعائلة حفتر في مؤسسة مسجّلة في الإمارات تضم إسرائيليين.” فيما ذكر تقرير للجزيرة نقلا عن هيئة البث الرسمية الإسرائيلية (كان) أن طائرة حفتر حطت للمرة الثانية في مطار بن جوريون خلال ثلاثة أشهر فقط.
يتمثل الخطر التطبيعي في الجنوب من طرف السودان وتشاد والنيجر في قدرة إسرائيل على إغراء هذه الأنظمة بالتعاون الفني والمالي مستغلة أوضاعها السياسية والاقتصادية المضطربة واحتياجاتها المزمنة للتمويل الدولي، ما قد يؤدي إلى تغيير استراتيجي في علاقات تلك الدول بليبيا وكذلك قدرتها على التغلغل الأمني ومحاولتها الدخول في الحرب على الإرهاب في تلك المنطقة وبالتالي احتمالية تغلغل شركاتها الأمنية في الجنوب الليبي حيث الحدود الممتدة التي يصعب التحكم بها، وبالتالي قدرتها على توظيف ثقلها في تكريس عدم الاستقرار، سواء عبر الاغتيالات واختفاء بعض الشخصيات والجريمة المنظمة وتجارة المخدرات، وتوظيف المال الفاسد لشراء الذمم، و الإيقاع بالشخصيات الوطنية وتحييدها عن الاستمرار، وانفتاح الحدود على مصراعيها لأجهزة المخابرات الدولية يحتم على القوى الفاعلة والوطنية المسارعة لاستدراك الأمر.
خاتمة
يلاحظ أن من يهرولون للتطبيع جميعهم في مراحل انتقالية وبها إشكاليات جوهرية يستغلها الإسرائيليون والأمريكيون والوسطاء الإقليميون لفرض التطبيع وترويجه كحل وحيد، نجد هذا بوضوح في السودان وتشاد والنيجر وتونس وحتى في ليبيا، فهي من ناحية تخلق تهديدا أمنيا داخليا للنظام بفصله عن الغالبية الشعبية الرافضة للتطبيع، ومن ناحية أخرى تعرض عليه تأمينه ضد هذه الغالبية الكارهة لحكمه وسياسته سواء عبر وسائل الأمن والتجسس والقمع الداخلية أو عبر توفير الحماية والشرعية الدولية له، وبالتالي تبقى هذه الأنظمة رهينة لصناع القرار في الكيان الاسرائيلي.
تتزايد وتيرة الأنباء عن لقاءات بين مسئولين إسرائيليين وبعض القيادات العسكرية والامنية في الشرق الليبي،ومايثار عن لقاءات أخرى لفواعل اقتصادية نشطة في المنطقة الغربية مع شخصيات إسرائيلية، والتصريح الأخير لموسى الكوني الذي عبر فيه عن استعداده لزيارة تل أبيب إذا كان ذلك يصب في مصلحة ليبيا، ما اعتُبِر أنه جرأة لم تكن معهودة من أي مسؤوول في ما مضى، وأخيرا تأتي زيارة وزير العمل في حكومة الوحدة الوطنية الي إسرائيل منعطفا جديد وحادا في ذات السياق، وهذه اللقاءات حال حدوثها فهي تشكل تهديدا أمنيا وعسكريا لليبيا كلها وهي خطر على هذه القيادات وشعبيتها في الداخل إن هي أرادت الاستمرار في لعب دور في المشهد السياسي الليبي الذي يغلب عليه الطابع المحافظ التقليدي المساند للقضية الفلسطينية والرافض تماما لأية محاولة تطبيعية.
تتزايد المخاطر الأمنية والعسكرية التي تمثلها عمليات التطبيع في دول الجوار مما يحتم على أية حكومة ليبية أن تعزز قدراتها العسكرية والأمنية والاستخباراتية في مواجهة أية تهديدات قد تشكلها التقنيات الإسرائيلية في مثل تلك البلدان يبقى تعزيز التعاون مع تركيا في المجال العسكري والأمني والاستخباراتي خيارا استراتيجيا إذ تتفوق المسيرات التركية على نظيرتها الاسرائيلية وتمثل أداة أمنية وعسكرية فعالة في حسم المعارك الاستخباراتية والعسكرية في مساحات شاسعة وأثبتت قدرتها في ليبيا وأذربيجان وغيرها.
كما أن على الدولة الليبية أن توظف إمكاناتها لمراقبة ومنع أية تطورات في العلاقات بين إسرائيل ودول الجوار الليبي التي لم تقم بعد بالتطبيع سواء عبر استخدام آليات المنح والمنع والتوسع في الاستثمارات والمنح والقروض والعمالة وربطها بالموقف من إسرائيل، وتملك الدولة الليبية الفوائض المالية الكافية لتعزيز سياستها الخارجية وتحقيق أهدافها في هذا الاتجاه.
ينبغي للقوى السياسية أن تعي أن أية خطوات نحو التطبيع ليست من صلاحيات أية سلطة انتقالية وبالتالي فإن الإقبال على تلك الخطوة من قبل أيا من المسئولين في الشرق أو الغرب الليبي قد يفجر الأوضاع الداخلية بكل أبعادها فمن ناحية يفهم منه أنه تأسيس لبقاء طويل في السلطة وتغيير لثوابت السياسة الخارجية الليبية وبالتالي تغيير في خريطة التحالفات وفي المهددات والأولويات الخاصة بأستراتيجيات الأمن القومي الليبي وهو أمر لا ينبغي أن يحدث أصلا ناهيك عن أن يتم من دون توافقات سياسية وإجماع وطني.
وهنا فإن على المسؤولين وصناع القرار في ليبيا وإن اختلفت وتباينت مواقفهم السياسية الانتباه إلى مستجدات الأوضاع التي تتعلق بتماسك ووحدة التراب الليبي، وما المثال السوداني سواء في الجنوب ودارفور أو أزمة شرقه منا ببعيد ، حيث يحدث تواطؤ دولي ويتزايد الاستقواء بالخارج والنزعة الانفصالية لفئات مجتمعية مهمشة محليا ويتم تغذيتها من الخارج، تؤدي إلى صراعات محلية مسلحة لتقاسم النفوذ والسيطرة، لتصل في نهايتها إلى المصير الانقسامي.
وكذلك من المهم الانتباه لخطر توطين الهجرة غير الشرعية في الجنوب، ومحاولات الإتحاد الأوروبي العمل على إيجاد بؤر استيطانية لهم، تحد من توافدهم إلى أوروبا، بعيدا عن الاعتبارات الأمنية للدولة الليبية، وهو الأمر الذي قد يتم تسهيله بإقناع بعض الشخصيات المعارضة بتلك السياسات.
أخيرا قد يبدو من موجة التطبيع هذه أن الفرصة مواتية لإنفاذ صفقة القرن على نطاق واسع، بالضغط على الدول العربية للموافقة عليها واستغلال الظروف المحيطة ببعض الدول مثل تونس وليبيا والسودان لتمريرها في ليبيا، لكن يبقى التعويل على استثنائية الظرف الحالي الذي تطرح فيه الصين وروسيا نفسيهما كبدائل للغرب، واستثنائية الحالة الليبية حيث تتقلص الحاجة للخارج ماليا واقتصاديا ويمكن تنويع الشركاء وتتوافر الموارد المالية الكافية لإحداث أي نهضة من دون الخضوع للابتزازات الاسرائيلية، ووعي المجتمع الليبي وقياداته المجتمعية الحية في مواجهة مثل تلك الموجة وإدراك خطورتها على الأمن القومي الليبي قبل أن تكون خطرا على هؤلاء الساسة أنفسهم.
ولا يزال الرهان على الكتلة الصلبة والتي تمثل القاعدة الشعبية العريضة الرافضة لأي نوع من التطبيع مع الكيان الإسرائيلي ويمثلها التيار الوطني من المؤسسات والقوى الناتجة عن ثورة 17 فبراير، ومن أهمها الأحزاب السياسية ونشطاء الثورة من الإعلاميين والسياسيين، ودار الإفتاء والعلماء والمثقفين الرافضين لمثل هذا التطبيع، حتى وإن ثارت الأسئلة حول قدرته على مقاومة الضغوط الدولية والإقليمية المتصاعدة.
