العدوان الإسرائيلي على غزة، غيّر المشهد السياسي في الشرق الأوسط، وأصبح التقارب العربي (التطبيع مع إسرائيل) مع الاحتلال معلقاً في الوقت الحالي. لكن هل سيبقى الأمر على هذا النحو؟
فبعد عقود من الصراع، بدا أن القضية الفلسطينية والتضامن مع الشعب الفلسطيني قد استنفذ. لكن يوم 7أكتوبر أعاد القضية للواجهة، وأعاد الفلسطينيين ومخاوفهم إلى الأجندة الإقليمية والدولية.
وفي تصريح له قال الأمير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق، إن “هجوم حماس، في 7 أكتوبر(تشرين الأول الماضي) حطّم صورة إسرائيل كحصن منيع في المنطقة”.
وجاء كلام الأمير رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق، في لقاء له مع قناة “الإخبارية” السعودية، وأشار فيه إلى أن “حل القضية الفلسطينية، يجب أن يبدأ بإيجاد دولة فلسطينية ذات سيادة عاصمتها القدس الشرقية، وتتمتع بكل مواصفات الدولة”. فيما يبدو أن عملية التطبيع توقفت.
وأضاف الفيصل مشيراً للمحاولات الأمريكية إقناع السعودية التطبيع مع الاحتلال: “قبل قضية غزة، كان هناك محاولات أمريكية لإقناع المملكة العربية السعودية، بأن تقوم بينها وبين إسرائيل، ما قيل إنه يشبه ما تم مثلا بين دولة الإمارات والبحرين والمغرب مع إسرائيل، من ناحية التطبيع والاعتراف المشترك”.
السعودية والعلاقة مع الحوثيين
ورغم الترحيب الإقليمي والدولي ببدء التفاوض بين الرياض وجماعة أنصار الله الحوثية، إلا أن بعض المراقبين أبدوا حماسا أقل.
وقال توماس جونو، الأستاذ المشارك في جامعة أوتاوا الكندية، إن الأمر لا يتعلق بـ”عملية سلام .. وأنه منذ أن بدأت السعودية تدخلها العسكري في اليمن، كانت ترمي في نهاية المطاف إلى دحر الحوثيين، لكن .. أصبح الحوثيون أكثر قوة بكثير مقارنة بما كانوا عليه قبل بدء الحرب”.
وأضاف أن العلاقة المباشرة بين العملية السياسية الراهنة والمتمثلة بالتفاوض بين الحوثيين والسعودية من جهة والأجندة التوسعية للحوثيين في البحر الأحمر والمعادية لإسرائيل من جهة أخرى باتت أكثر واضحا الشهر الماضي، قائلا: “القاسم المشترك في الأمرين يشير إلى أن الحوثيين انتصروا في الحرب في اليمن”.
هجوم حماس حطّم صورة إسرائيل
وكان وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، قد قال الشهر الماضي، إنه “لا يمكن الحديث عن مستقبل قطاع غزة، إلا بعد وقف إطلاق النار”.
جاء ذلك خلال اجتماع اللجنة الوزارية المكلفة من القمة العربية الإسلامية المشتركة غير العادية، برئاسة ابن فرحان، في أوسلو، مع رئيس وزراء النرويج، يوناس غار ستوره، ووزراء خارجية دول شمال أوروبا الـ”نورديك” (النرويج – الدنمارك – السويد – فنلندا – آيسلندا) ودول اتحاد الـ”بنلوكس” (هولندا – بلجيكا – لوكسمبورغ).
خبرية بلس: التطبيع السعودي الإسرائيلي
التعاون مع إسرائيل يعود على الأقل للعام 1962، حين كانت الطائرات الإسرائيلية تنقل السلاح والذخائر من تل أبيب إلى «قاعدة خميس مشيط الجوية» في «عسير» ، جنوب السعودية.
لا نستطيع أن ننكر أنه عندما كانت غزة ترقص في بِركة من الدم كما يرقص الطير عند الذبح، كانت السعودية كلها في حفلة رقص غير مسبوقة ولا نظير لها (تطبيع أو موقف واحد؟).
وكان عدد من صحفييها (خاصة الشرق الأوسط) ينصح المقاومين في غزة بالاستسلام وتسليم سلاحهم، رحمةً بشعبهم، ومغادرة غزة إلى قطر أو تركيا، كما غادر المقاتلون الفلسطينيون بيروت إلى تونس في العام 1982!
وكانت التسريبات الواردة من السعودية الشهر الماضي قد أفادت أن وزير الخارجية الأميركي «أنطوني بلينكن» اجتمع خلال زيارته التي استمرت يومين إلى السعودية مع عدد من قادة التنظيمات اليمنية المقيمين في الرياض، فضلاً عمن جاء منهم من عدن، وبحث معهم «تسخين الجبهات مع الحوثيين، لاسيما في جبهة مأرب والجنوب، لإشغالهم عن الانخراط في حرب غزة».
وكان لافتاً حينها أن بيان وزارة الخارجية الأميركية عن زيارة بلينكن إلى الرياض أشار إلى أنه بحث «الشراكة مع المملكة العربية السعودية في القضايا السياسية والأمنية ومكافحة الإرهاب (…) وردع أي قوة أجنبية أو إقليمية عن تهديد المنطقة( …) ومواجهة انتشار الأنظمة الجوية والصواريخ غير المأهولة إلى غير الجهات الحكومية التي تهدد السلام والأمن في المنطقة» !!.
وإن تلكأ المملكة في الاستجابة للدعوة الأميركية، في حشدها للتحالف ضد الحوثيين في البحر الأحمر، هو بسبب أنها تعمل على إبرام اتفاقية سلام تنهي الحرب مع الحوثيين نهائياً. وهي تخشى دخولها إلى جانب الأميركيين في التحالف الحربي، الأمر الذي سيؤدي بالضرورة إلى العودة إلى مربع الحرب، مع ما يعنيه ذلك من استهداف لمنشآتها الحيوية والنفطية، فضلاً عن أن حلف واشنطن سيزيد من تعقيد الموقف في البحر الأحمر ويمكن أن يعرّض موانئها، ولا سيما ميناء جدة، للاستهداف.
يشير المؤرخ جورج فاضل متى في أحد منشوراته إلى أنّ البلاء الأكبر للعرب سببه السعودية. “ولولا السعودية أصلاً لما صمدت إسرائيل حتى الآن ولا نجح المشروع الصهيوني. ولهذا فإن القضاء عليها وتدميرها، وملاحقة أتباعها ، من وهابيين وغير وهابيين، كما جرت مطاردة وملاحقة النازيين وحظرهم بعد الحرب العالمية الثانية، يُعتبر طريقاً وحيداً لا يوجد غيره للقضاء على المشروع الصهيوني. فدون القضاء على نظام “آل سعود” لا يمكن القضاء على “آل هرتزل” و”آل بن غوريون”!
وأشار متى إلى أنّ السعودية هي التي أطاحت أو وقفت (إلى جانب الأميركيين والبريطانيين) في إطاحة جميع الأنظمة الوطنية في العالم العربي والإسلامي، قاطبة وبلا استثناء. وهي التي رصدت مئات المليارات لمحاربة أي مظهر من مظاهر الحداثة والتقدم، بما في ذلك حتى النقابات المهنية، منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية. هذا ولو أن حربها هذه كانت أعتى وأكثر تدميراً بعد تعيين مدير المخابرات السعودية “كمال أدهم” في العام 1965 مرجعاً استشارياً أعلى لوكالة المخابرات الأميركية في الشرق الأوسط(وفق تسميته الرسمية في الوثائق الأميركية). وقد اعترف الطاغية “أبو منشار” في مقابلة مع صحيفة أميركية قبل عامين بأن الغرب هو من كان يطلب من السعودية تصدير الوهابية إلى العالم ونشرها في كل مكان”.
