مقدمة: “هندسة الأقنعة” وصدمة التحول
على أنقاض نظام “البعث” الذي تهاوى تحت ضربات التاريخ، تبرز دمشق اليوم كمسرح لعملية “تجميل سياسي” كبرى. يتصدر المشهد “أحمد الشرع” بزيّه المدني الأنيق، مقدماً خطاباً “تكنوقراطياً” يفيض بوعود الاستقرار والمدنية. لكن تحت هذه الطبقة الرقيقة من المساحيق الدبلوماسية، تنمو بنية سلطوية مشوهة؛ إنها منظومة “الأبرتهايد السني”.
الثورة التي قامت لتكسر “الأبارتهايد الأمني العائلي”، تجد نفسها اليوم أمام “أبارتهايد عقدي” أكثر تعقيداً. هنا، لا تُقاس المواطنة بالحقوق الطبيعية، بل بـ “درجة نقاء المنهج” والولاء للجماعة. نحن أمام نظام يمارس “الاستلاب الهوياتي”، حيث يتم اختطاف اسم “السنة” ليكون غطاءً لمشروع تسلطي يبتلع الدولة والمجتمع معاً.
المحور الأول: “الخلافة التكنوقراطية”.. استراتيجية التمويه المؤسساتي
بعيداً عن المصطلحات التقليدية، يمكن وصف نظام الشرع الحالي بأنه “خلافة تكنوقراطية”. هي منظومة تستخدم أدوات الحداثة (وزارات، مؤسسات خدمية، تكنولوجيا إدارية) لتمرير مشروع جوهره إقصائي.
1. التقية المؤسساتية كدرع دبلوماسي: يمارس النظام الحالي ما يُعرف بـ “التقية السياسية”. إن تقديم “حكومة إنقاذ” كواجهة مدنية هو مجرد “ستار دخاني” لاستدراج القبول الدولي. الواقع يثبت أن هذه الحكومة ليست إلا “سكرتارية إدارية” تنفذ أوامر “المركز الأمني المغلق”. إنها عملية “غسيل سياسي” تهدف لتحويل “أمراء الحرب” إلى “رجال دولة” دون تغيير عقيدتهم القمعية.
2. الدولة كـ “واجهة برمجية”: في هذا النظام، تعمل الوزارات كواجهات براقة، بينما “الكود البرمجي” الحقيقي الذي يدير المال والسلاح مخفي في “غرف الشورى” غير المنتخبة. هذا الانفصال هو الذي يمنح النظام مرونة كافية لخداع الخارج وقمع الداخل في آن واحد.
المحور الثاني: “تأميم العقيدة”.. تحويل الجماعة إلى قدر جغرافي
تسعى المنظومة الحالية إلى عملية “تأميم شاملة للهوية السنية”. هي لا تريد أن تكون “حاكمة” للسنة، بل تريد أن تكون هي “السنة” ذاتهم، محولةً الانتماء الديني إلى بطاقة ولاء سياسي إجبارية.
1. صناعة “الرعية المطيعة”: يتم استبدال مفهوم “المواطن” بمفهوم “الرعية”. في “الأبرتهايد السني”، يُصنف المجتمع وفق تراتبية عقدية: في القمة “أبناء المنهج”، يليهم “الموالون بالضرورة”، وفي القاع “العوام” الذين يُطلب منهم الصمت مقابل الأمان. هذا التقسيم يضرب فكرة “المساواة أمام القانون” ويجعل من “الولاء للمشروع” شرطاً مسبقاً للبقاء.
2. الاستثمار في “فوبيا الآخر”: يعتاش هذا النظام على ديمومة الخوف. هو يصور نفسه كـ “جدار حماية” للأكثرية ضد مؤامرات “الأغيار”، وبذلك يُلغي حق المجتمع في نقد السلطة. فكل نقد للشرع يُصور كأنه “طعن في المكون السني”، وهي مغالطة تهدف لتحصين الاستبداد بقدسية الطائفة.
المحور الثالث: “النهب المؤسساتي”.. اقتصاد الغنيمة بزيّ رسمي
لقد تحولت الدولة السورية من “مزرعة عائلية” إلى “شركة قابضة للجماعة”. عملية ابتلاع الدولة لم تكن عفوية، بل هي “هندسة اقتصادية قسرية”.
1. حقن المفاصل بـ “الخلايا التنظيمية”: لم تُحل الأجهزة الأمنية للفصائل، بل جرى “تسييلها” داخل الوزارات. المصرف المركزي والموارد السيادية تُدار اليوم بعقلية “الغنيمة”، حيث يتم تفضيل الشركات المحسوبة على “الجماعة” في عقود إعادة الإعمار. هذا ما يمكن تسميته بـ “الرأسمالية الأيديولوجية”، حيث الثروة هي “عطية سلطوية” للمقربين.
2. سياسة “الخبز المشروط”: استخدمت المنظومة السيطرة على المعابر والموارد الحيوية لتدجين المجتمع. إنها استراتيجية “الولاء مقابل الخدمات”. المواطن السوري اليوم يجد نفسه مضطراً لإظهار التماهي مع السلطة للحصول على حقوقه البديهية، مما يحول المجتمع إلى “كتلة صامتة” تعيش في حالة انفصام سياسي.
المحور الرابع: “تفتيت الوطنية”.. ضياع البوصلة السورية
أدى صعود “الأبرتهايد السني” إلى رصاصة الرحمة على ما تبقى من “الوطنية السورية الجامعة”، مستبدلاً إياها بهويات مجزأة ومتصارعة.
1. سيادة “الانتماءات الصغرى”: بسبب إقصائية النظام الجديد، ارتد السوريون إلى هوياتهم الضيقة (عشيرة، منطقة) كدروع دفاعية. السلطة الحالية لا تبني “وطناً”، بل تبني “كانتوناً أيديولوجياً” يتوسع جغرافياً لكنه ينكمش إنسانياً. الوطنية السورية استُبدلت بـ “وطنية المنهج”، وهي وطنية إقصائية لا تتسع للمخالف.
2. إنتاج “الغربة الداخلية”: المثقف السوري، والتكنوقراط المستقل، والسني الليبرالي، يشعرون اليوم بـ “الغربة في الديار”. هم غرباء لأن “اللغة السياسية” الجديدة لا تشبههم، ولأن المساحة المتاحة للنقد أصبحت أضيق مما كانت عليه سابقاً، نظراً لتدثر القمع بعباءة “الدين والنصر”.
الخاتمة: احتكارات السلطة الخمسة ولغم “الإمارة المقنعة”
إن ما نعيشه اليوم في سوريا هو “استبداد هجين”؛ يأخذ من الماضي أدواته القمعية، ومن الحداثة واجهاتها الإدارية، ومن الدين شرعيته الرمزية. إننا نؤكد في نهاية هذا التحليل أن سوريا تقبع تحت وطأة خمسة احتكارات قاتلة تمارسها منظومة الشرع:
أولاً، احتکار السلاح: تحول السلاح إلى وسيلة إخضاع داخلية، حيث جرى ضم الفصائل في واجهة بنية عسكرية تدين بالولاء المطلق “للجماعة”، مما جعل أي تغيير من خارج هذه المنظومة اصطداماً مباشراً مع آلة قتل منظمة.
ثانياً، احتکار القرار: خلف واجهة “حكومة الإنقاذ”، يكمن مركز قرار “ثيوقراطي-أمني” مغلق في غرف “المجلس العسكري والشرعي”، بعيداً عن أي رقابة شعبية، مما حول الدولة إلى صدى لإرادة “الشرع” ونخبته.
ثالثاً، احتکار الموارد: استولت المنظومة على عصب الحياة من معابر ومصادر طاقة، وحولتها إلى “إقطاعيات مالية” تتبع للمنهج، ممارسةً سياسة “التجويع السياسي” التي تجعل رزق المواطن رهناً بولائه.
رابعاً، احتکار المجال العام: جرى تأميم الفضاء العام وقمع أي صوت مدني أو حراك نقابي مستقل، حيث تُصادر المنابر وتُقيد الحريات تحت ذريعة حماية المكتسبات، مما حول المجتمع إلى كتلة صامتة تُساق بإعلام أحادي.
خامساً، منع تداول السلطة: يرفض هذا النظام بنيوياً فكرة التنافس السياسي، ويرى نفسه “قدراً تاريخياً” لا يجوز المساس به، مغلقاً أبواب التغيير السلمي ومؤسساً لاستبداد طويل الأمد يتستر بقدسية الدين.
إن هذه الاحتكارات هي اللبنات الأساسية لـ “الأبرتهايد السني”؛ نظامٌ لم يأتِ ليحرر الإنسان السوري، بل ليُعيد تدوير العبودية، مؤكداً أن الاستبداد واحد مهما اختلف لون بدلة الحاكم أو طول لحيته. إن سوريا التي كسرت أصنام الماضي، لن تنحني طويلاً أمام “أصنام المنهج” الجديدة، ومعركة الحرية الحقيقية تبدأ من تفكيك هذه الاحتكارات والعودة إلى رحاب المواطنة الكاملة والناجزة.
