الباحث نبيل فياض .. رحيل بطل سيبقى حياً

بعد معاناة لما يزيد عن خمس سنوات مع المرض العضال، رحل الباحث والكاتب العلماني السوري نبيل فياض، عن عمر يناهز 67 عاماً.

وأعلن الكاتب جورج برشيني وفاة فياض يوم أمس الأحد، ناعياً إياه على صفحته الرسمية في فيسبوك “فقيد وطن… ببالغ الحزن ننعي لكم وفاة الدكتور نبيل فياض ، الباحث السوري الذي يندر أن يكرر والذي بقي متمسكاً بأرض بلده لآخر نفس “.

وختم برشيني متميناً:”حزننا عميق ومازلت في حالة صدمة غير مصدق ،وأتمنى أن تخرج له جنازة شعبية تليق به وبما قدمه لنا جميعاً.”

ترجل فارس المعرفة، بعد سنوات قضاها في نشر الفكر العلماني والدراسات النقدية الدينية، وفي الدين المقارن، وقد أثار الجدل مراراً بطرحه لمراجعات الأديان ودراستها النقدية وتناول في كتبه وأبحاثه جذور وخلفيات المفاهيم والظواهر الدينية.

منذ بداياته ولّد صراعاً أدبياً وفكرياً في النقد الديني، بينه وبين رجل الدين الراحل محمد سعيد رمضان البوطي، (هذه مشكلاتهم، هذه مشكلاتنا).

“كلما ازدادت الفكرة هشاشة كلما ازداد إرهاب أصحابها في الدفاع عنها”، إنتاجه الفكري كان ضخماً بما تعنيه الكلمة، وربما كان من الفرادة أنّ يجعله الوجهة الأولى لجيل الثمانينيات والأجيال اللاحقة، ليكون الدرجة الأولى في سلم الانفتاح الثقافي للناطقين باللغة العربية.

كانت بدايات الباحث نبيل فياض بنشره كتاب (التحوّل، كافكا) ليصدر بعدها العديد من الأبحاث والترجمات أهما (نيتشه والدين، حوارات في قضايا المرأة والتراث والحرية، يوم انحدر الجمل من السقيفة، أم المؤمنين تأكل أولادها، الهاجريون، نصّان يهوديّان حول بدايات الإسلام، النصارى، مراثي اللات والعزّى، فروقات المصاحف، المسيح والميثولوجيا، إبراهيم بين الروايات الدينيّة والتاريخيّة). والعديد العديد غيرها من الكتب والأبحاث والترجمات تجاوزت الـ 70 كتاباً.

الجدير بالذكر في السنة الثانية على مرضه أصدر ما يقارب 17 كتاب، أغلبها من الترجمات الإنجليزية والألمانية، في الفلسفة والمجتمع والدين والسياسة.

أكاديمياً كان فياض يحمل شهادة الصيدلة من جامعة دمشق والتصنيع الدوائي، وقد مارس العمل الصيدلاني أغلب حياته، بين الناصرية في ريف دمشق، ومنطقة كشكول في الأحياء الشعبية بمدينة دمشق.

درس اللاهوت في لبنان في كاسليك، متتلمذاً على يد الراهب الماروني الأب أمبروسيوس الحاج لسنوات سبع، والذي بقي يذكره لأخر أيام حياته.

وانتقل بعدها للاهتمام بدراسة الطوائف والأقليات الدينية والمذهبية، وصدر له العديد من المقالات في البحث عن جذورها وتاريخها، ويدافع عن حقوقها، وأيضاً كان له برامج إذاعية وتلفزيونية، مثل “تابو”، “رح نبقى”، وبرنامج “الصوم عند الشعوب” الذي عُرض على 30 حلقة ضمن شهر رمضان وتناول فيه الصوم عند الكثير من الأديان والطوائف.

ابن مدينة القريتين في حمص، والمحاضر في أهم المراكز الثقافية العالمية، من المركز العالمي للحقوق والدراسات الدينية في الولايات المتحدة الأمريكية، إلى لاهاي، إلى منزله المتواضع في حي العباسيين، في العاصمة الأموية.

ومن رفضه للألقاب الدينية على أحياء العاصمة السورية، لم يتوقف فياض عن خلق حلقات من التفكير والبحث، داعياً الشباب بشكل متواصل لمحاولة نقد المعرفة والموروثات.

وبعد بدء الأزمة السورية، انتقل لمحاولات في العمل السياسي، فأسس مع مجموعة من الشباب السّوري حركة أسماها (حزب عدل) ( علماني ديمقراطي ليبرالي)، محاولاً إنشاء حزب ليبرالي غير قومي ليؤسس لمرحلة من التطور الفكري والثقافي والإنساني في المجتمع السوري والذي كان يراها الراحل الخطوة الأولى لإنقاذ البلاد والشعب، فلا حلول عسكرية بدون أنّ تترافق بالحل الثقافي والإنساني.

لينتقل بعدها إلى تنظيم جميعة (دعم) الدفاع عن المعرفة، لتكون لبنة في حائط المعرفة، لصد هجمات “الجراد الصحراوي” كما كان يسميه.

بدأت معاناته مع المرض في عام 2017، وكانت معاناته من إصابات سابقة له بسبب السجن السياسي تزداد، وقضى أغلب سنواته الخمس الأخيرة بحالات انتكاس صحي وشهور طوال في المستشفيات، وحين كانت تسنح له الفرصة ويعود له النشاط، كانت الأبحاث والكتب والمقالات هي ملاذه المتواصل.

من تعرّف عليه حقيقة، عرف عنده طيبة التعامل والفكاهة وحسن الملقى وتواضعاً في النفس خاصةً لتمضية أغلب وقته مع الناس وفي الأحياء الشعبية، ولدوره الكبير في العمل الإنساني منذ بدايات سنوات الحرب، مع العديد من الجهات الدولية والمحلية.

خسرت سوريا والشعب الناطق بالعربية مفكراً وباحثاً كادت جرأته أن تودي بحياته في كثير من مراحل حياته، كانت بوصلة توجهاته تسبق الكثيرين دائماً في توصيف حقيقة المرض والبحث الحقيقي عن الحلول، ومحاولة إثارة العقل والدفاع في سبيل الحريات الإنسانية، خسارة كبيرة للثقافة وللتحرر العقلي من الرجعية والسلفية، سيبقى حياً بين السطور.

عصام شامية