الاقتصاد اللبناني .. ماذا حصل للنظام المصرفي في لبنانالاقتصاد اللبناني .. ماذا حصل للنظام المصرفي في لبنان

اشتهر لبنان بلقب سويسرا الشرق الأوسط، واشتهر بطبيعته الخلابة التي تشابه بجبالها وساحلها وأشجارها البلدان الأوربية، وكون الاقتصاد اللبناني امتلك مؤشرات قوية مكنته من استقطاب رؤوس أموال المنطقة العربية، أضحى لبنان المركز المالي للشرق الأوسط.

وعليه بات لبنان مركز إقليمي للبنوك، ووجهة رئيسية للسياح والأثرياء العرب والأجانب، في الخمسينيات إلى السبعينيات من القرن الماضي، كحال دبي في الوقت الراهن.

وتميز الاقتصاد اللبناني بأنه من أهم أنواع الاقتصاد ديناميكية واستقرار في الوطن العربي خلال تلك الحقبة الزمنية، إلا أن لبنان حالياً يمر في واحدة من أسوء الأزمات الاقتصادية التي شهدها العالم في أخر 150 سنة، بحسب تعبير البنك الدولي.

إذ يعاني لبنان من أزمة ديون وأزمة سيولة وأزمة ميزانية وأزمة مصرفية وأزمة عالمية، المشاكل المالية الضخمة جعلت لبنان يقع في حالة مشابهة أو ربما أسوء من الحالة التي مرّ بها اليونان.

والتدهور تَوَضَّح مع اندلاع الاحتجاجات في لبنان، على خلفية إعلان الحكومة اللبنانية في شهر أوكتوبر/ تشرين الأول من عام 2019، أنها ستفرض ضرائب على الاتصالات المجانية ومن ضمنها تطبيق واتساب.

الأمر الذي أوهم الكثيرين بأن الأزمة الاقتصادية الحالية التي يمرّ بها لبنان، هي وضع مستجد حصل من زمن قريب، لكنّ الواقع عكس ذلك تماماً.

قانون السرية المصرفية

حصل لبنان على الاستقلال في نوفمبر/ تشرين الثاني 1943 من الانتداب الفرنسي، واتخذ الكثير من الخطوات لانعاش البلاد، للتخلص من الاعتماد على فرنسا، وكان من أبرزها إصدار قانون السرية المصرفية.

وقانون السرّية المصرية، يمنع البنوك من أن تكشف عن المعلومات المصرفية للعملاء لصالح أية جهة، سواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية إلا في حالات استثنائية.

وأُقِرّ القانون عام 1956 ، بناء على اقتراح المحامي ريمون إده، والذي كان معجباً بتجربة القطاع المصرفي السويسري، وأمل بأن يكون لبنان بنك العرب.

وبالفعل نجح إقرار القانون، في جذب مليارات الدولارت من رؤوس الأموال الأجنبية، من دول كثيرة، وخاصة من دول الخليج، التي كانت تمتلك الكثير من السيولة من الدولارات الأمريكية.

وقال المخبر الاقتصادي أشرف إبراهيم، أن القانون أدى إلى تضاعف الدخل القومي في لبنان، في الفترة ما بين عامي 1950 و 1962، بمعدل 4.5 بالمائة سنوياً، وذلك بسبب تضاعف ونمو الاقتصاد المصرفي.

إذ بلغت نسبة نمو القطاع المصرفي في لبنان حوالي 200% في ذات الفترة، وازدادت الودائع ضمن الفترة ذاتها بما يزيد عن خمسة أضعاف.

ركائز الاقتصاد اللبناني

تطور عدد البنوك من 9 بنوك إلى 85 بنك في البلاد بين عام 1945 وعام 1962، وبدا جلياً أن الاقتصاد اللبناني في تلك الفترة تمتع بالكثير من الاستقرار.

فضلاً عن أن القطاع السياحي كان من أهم القطاعات التي ساهمت بدعم الاقتصاد اللبناني، إذ أن عدد الزوار في عام 1972 كان يعادل 1.5 مليون سائح.

واستمر ذلك الازدهار في الاقتصاد اللبناني إلى حين اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في أواخر 1990، ما أدى إلى وقوع خسائر بشرية كبيرة، فضلاً عن تدمير البنى التحتية والصناعية، والتي بدورها إدت إلى حدوث تضخم وتدهور في قيمة الليرة اللبنانية.

إذ انخفضت قيمة الليرة اللبنانية أمام الدولار الأمريكي بشكل كبير، فبعد أن كان الدولار الأمريكي في عام 1992 يعادل 2.75 ليرة، وصل إلى 1700 ليرة.

ووكأن التاريخ يعيد نفسه من جديد فبعد أن تغلب لبنان على الحرب الأهلية ورمم اقتصاده وانتعشت أوضاعه، عاد من جديد إلى التدهور والانقسام وانخفضت قيمة الليرة اللبنانية من جديد أمام وحش الدولار.

الأزمة الاقتصادية في لبنان

بقيت الديون بعد الحرب الأهلية في وضع أمن، وضمن مستوى أمن جداً، و يسهل التعامل معها، وبلغت قيمة الدين العام في عام 1993، حوالي 6.65 تريليون ليرة، أي ما يعادل 3.6 مليار دولار أمريكي، وتعادل 50% من الناتج المحلي الإجمالي للبلد، بحسب المخبر الاقتصادي.

وبعد إطلاق برنامج إعادة الأعمار “أفاق 2000” والذي من خلاله اتجهت الحكومة اللبنانية إلى الاستدانة من البنوك اللبنانية، عن طريق بيع سندات وأذون خزانة، قررت الحكومة تثبيت سعر الصرف الأجنبي للدولار الأمريكي عند سعر 1507.5 ليرة لبنانية لكل دولار أمريكي في عام 1997، على خلفية تقلب أسعار الصرف وتدهور قيمة الليرة آنذاك.

وفي العام 1999، بدأت الحكومة بالاقتراض من الخارج عن طريق بيع سندات دولي، سندات اليوروبوند “Eurobond”.

لتتخطى ديون الحكومة اللبنانية في العام 2004 حاجز الـ 52.5 تريليون ليرة لبنانية، أي ما يعادل 34.8 مليار دولار أمريكي، و 185% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم عالي من الديون.

دخل لبنان في أواخر التسعينات، في حالة من الركود الاقتصادي، زادت معه معدلات البطالة، والهجرة، بعد أن تم صرف أكثر الديون على مشاريع غير إنتاجية لا تحقق عائدات، وصُرف الباقي على خدمة الديون.

ويقول الاقتصادي أشرف إبراهيم أن الحكومة اللبنانية كانت تصرف في الفترة بين 1993 و 2004 ، ما يعادل 74% من الإيرادات و 40 % من النفقات على خدمة الديون، في حين لم تتجاوز النفقات الرأسمالية ونفقات إعادة الإعمار في ذات المرحلة أكثر من 27% من الإيرادات و 13% من النفقات.

وكانت مؤتمرات باريس 1 وباريس 2 ، في 2001، من أهم الدلالات على أن الأزمة اللبنانية تتجه في طريق لا عودة منه.

وتعهد المجتمع الدولي بمنح البلاد ما يبلغ 4.9 مليار دولار، على أن ترفع الضرائب وتقوم بخصخصة بعض الصناعات الرئيسية، وتخفض النفقات.

وجاءت حرب 2006 التي أدت لخسائر تجاوزت 15 مليار دولار، وتمّ عقد باريس 3 بدعم من جاك شيراك الذي دعم الاجتماعين السابقين أيضاً.

وتعهدت الدول المانحة في حينها بتوفير 7.6 مليار دولار، بمقابل أن تخصص الحكومة الاتصالات والكهرباء، ورفع ضريبة القيمة المضافة ورفع الضرائب على فوائد البنوك، وتقليل دعم الوقود.

ومع ذلك وصلت البلاد إلى فشل في السيطرة على الديون، إلى أن وصل الوضع إلى الإعلان لأول مرة عن العجز من سداد الديون، المقدرة بـ 1.2 مليار دولار، لأصحاب سندات اليوروبوند “Eurobond” ، وذلك بعد وصول الاحتياطي اللبناني من العملة الأجنبية إلى مستويات حرجة.

الأزمة الحالية في لبنان

أثمر تراكم الديون، نتيجة سياسات الحكومات المتعاقبة في لبنان والتي تعاملت مع مشكلة الديون بمبدأ الهروب إلى الأمام، عن وصول الاقتصاد اللبناني في العام 2017، إلى مرحلة لا عودة منها.

ليبدأ عهد جديد في لبنان من الانهيار وكانت أولى علاماته انهيار الثقة بالنظام المصرفي، وفرض القيود على سحب الودائع المصرفية، وإنكماش النظام الاقتصادي، بعد أزمة انتشار جائحة كورونا، ومن ثم إنهيار العملة وارتفاع البطالة، وعليه أعلنت الأمم المتحدة في آب 2020 أن 55% من الشعب اللبناني أصبح فقيراً، بنسبة ضعف ما كانت عليه في عام 2019.

ديون لبنان اليوم تعادل أكثر من 170% من الناتج المحلي الإجمالي، لتكون بذلك من أكثر الدول في العالم مديونية، وتحتاج البلاد إلى خطة إنقاذ، قيمتها تصل إلى ما يتجاوز 93 مليار دولار أمريكي.

في حين أن قيمة الاحتياطي اللبناني من الذهب 287 طن، أي ما يعادل 16.5 مليار دولار، وبذلك تحتاج البلاد إلى ما يعادل 76.5 مليار دولار لانتشال لبنان من أزمته الاقتصادية الحالية.